اسماعيل بن محمد القونوي

327

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

خلقناك كذلك أي شديدة الاستعداد لذلك من مناجاة الحق ودعوة الخلق وهذا هو الظاهر في هذا المعنى أو المعنى ألم نفسحه بعد أن لم يكن كذلك ويلائمه أنه عليه السّلام كان متمحضا لاستغراق معارف اللّه تعالى متجردا عما سواه ظاهرا وباطنا وبعد التوسيع كان حاضرا وغائبا وفي الكشاف شرحنا صدرك فسحناه حتى وسع هموم النبوة ودعوة الثقلين جميعا أو حتى احتمل المكاره التي يتعرض بها لك كفار قومك وغيرهم وعدل عنه المصنف لأنه لا يناسب المقام وإن سلم عدم اختصاص الشرح بالخبر مع أنها موضوعة عنه عليه السّلام كما قال : وَوَضَعْنا عَنْكَ [ الشرح : 2 ] الآية فلا معنى لكون الشرح لذلك وإن صح في الجملة كما بينه المصنف في سورة طه في قوله : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [ طه : 25 ] لكن بين المقامين فرق عظيم ومني لك لنفعك لا لضرك ومعنى لأجلك لا لغيرك غير مناسب هنا وفي هذا الإطناب فائدة وهي المبالغة إذ إبهام المشروح أولا ثم رفعه ثانيا بذكر الصدر للمبالغة في بيان الشرح وفي ذكر الصدر أيضا مبالغة إذ المراد شرح القلوب لكن اتساع الشيء يتبعه اتساع ظرفه أو اتساع الظرف يستلزم اتساع مظروفه والمراد اتساع القلب كناية فالكلام أبلغ من ألم نشرح قلبك . قوله : ( فكان عليه السّلام غائبا حاضرا ) والجملة حال مؤكدة أي حاضرا مع الناس بجسده الشريف غائبا عنهم بمناجاة الحق أو حاضرا مع الناس بإفاضته عليهم الأحكام والمعارف غائبا عنهم باستفاضته من الحق الأنوار القدسية وبالعكس أي حاضرا حضورا معنويا مع الحق للاستفاضة أنواع المعارف وغائبا عنه بدعوة الخلق والإضافة فالحضور لا يمنع الغيبوبة وهي لا ينافي الحضور بسبب التوسيع ولمعان النور الملقى من اللّه الأعلى وهذا جمع بين الضدين في محل واحد في زمن واحد كالجمع بين الماء والنار وهذا سر من أسرار اللّه تعالى وهذا بحسب النظر الجليل وأما بحسب النظر الدقيق فالجمع المذكور ليس من جهة واحدة بل من جهتين أي ظاهرا وباطنا أو جسدا وروحا فلا إشكال بأن اجتماع الضدين محال فلا يتعلق به القدرة . قوله : ( أو ألم نفسحه بما أودعنا فيه من الحكم وأزلنا عنه ضيق الجهل أو بما يسرنا لك تلقي الوحي بعدما كان يشق عليك ) أو ألم نفسحه بما أودعنا فيه وهذا التوسيع بعد أن لم يكن وأزلنا عنه ضيق الجهل بما لا يعرف بالعقل ويتوقف على الوحي والمراد بالضيق خلو الذهن عن الحكم والاحكام مجازا أي الضيق الذي هو كالجهل فالإضافة بيانية وليس المراد به ما ذكر في قوله تعالى : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً [ الأنعام : 125 ] الآية وذكر هنا ما به الشرح وسكت عنه في الأول لظهور أن المراد جعله قابلا لذلك بقذف النور من عند اللّه تعالى وقد بينه في سورة الأنعام والزمر والظاهر أن أو لمنع الخلو دون الجمع فلا منع من الجمع بينهما وكذا الكلام في قوله أو بما يسرنا لك فتوسيعه جعله قوله : فكان غائبا حاضرا أي فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غائبا عن الخلق عند مناجاته مع الحق حاضرا عندهم عند الدعوة .