اسماعيل بن محمد القونوي

32

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الجمهور بنصب كل شيء بالإضمار على شريطة التفسير وهو الراجح لتقدم جملة فعلية وهي قرينة خلاف الرفع . قوله : ( مصدر لأحصيناه فإن الإحصاء والكتبة يتشاركان في معنى الضبط ) فيكون مثل قعدت جلوسا وإن خالفه من وجه فيكون منصوبا بفعل موافق معنى قيل فإما أن يأول الإحصاء بالكتابة أي كتبناه كتابا أو الكتابة بالإحصاء أي أحصيناه إحصاء والأول أولى إذ الكتابة أقوى في الضبط بحيث لا يتطرق الزوال ولهذا قال عليه السّلام قيدوا العلم بالكتابة كما قيل فقوله كتابا يفيد تأكيد الإحصاء بحسب أفهامنا وإلا فإحصاء اللّه تعالى وهو عبارة عن العلم باق ممتنع الزوال والعلم المكتوب فيما بيننا يقبل الزوال واحتمال الاحتباك بحذف الفعل الثاني بقرينة الأول وحذف مصدر الأول بقرينة الثاني وإن ساغ لكنه تكلف لكثرة الحذف فيه مع عدم الاحتياج إليه وأيضا يفوت المبالغة المستفادة من كون كتابا مصدرا للإحصاء . قوله : ( أو لفعله المقدر ) أي كتبناه كتابا أخره لأن التقدير خلاف الأصل مع إمكان جعله مصدرا للمذكور وينكشف منه ضعف الاحتباك . قوله : ( أو حال بمعنى مكتوبا في اللوح أو صحف الحفظة ) أخره لاحتياجه إلى التأويل ولو أبقي على ظاهره للمبالغة صح وليس هذا تمثيلا لإحاطة علمه تعالى بالأشياء لتفهيمنا وإلا فهو تعالى غني عن الكتابة والضبط كما قيل فإن هذا مخالف لمذهب أهل السنة بل قيل إنه مذهب الحكماء فهو على ظاهره مبني على الحكمة وإن لم نطلع عليها قول أو صحف الحفظة أو لمنع الخلو . قوله : ( والجملة اعتراض ) فائدة الاعتراض تأكيد للوعيد السابق بأنه واقع البتة لضبط قوله : والجملة اعتراض وفائدة هذا الاعتراض الإشعار بأن تكذيبهم البعث والرسل والكتب إنما نشأ من اعتقاد أن اللّه تعالى لا يعلم جريان أعمالهم وأعمال الرسل فلا حساب ولا بعثة ولا كتاب ومجيئه على طريقة الالتفات للمبالغة وفي الكشاف وهي آية في غاية الشدة وناهيك بلن نزيدكم وبدلالة على أن ترك الزيادة كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة وبمجيئها على طريقة الالتفات شاهدا على أن الغضب قد تبالغ تم كلامه فالمبالغة في الغضب مستفادة من الالتفات من الغيبة إلى الخطاب فإن في قوله : فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً [ النبأ : 30 ] من المبالغة ما ليس في فليذوقوا فلن نزيدهم إلا عذابا وذلك أنه تعالى لما حكى مآب الطاغين ومرجعهم واستمرار لبثهم في جهنم وأن لا ذوق لهم فيها سوى الحميم والغساق وعلل ذلك على سبيل الشكاية إلى الغير بقوله : إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً [ النبأ : 27 ] أي لا يخافون أن يحاسبوا كناية عن أنهم كانوا ينكرون البعث إنكارا بليغا ثم بين تكذيبهم رسل اللّه ووحيه وأكده بقوله كذابا التفت إليهم قابلا فذوقوا أيها الجاحدون المكذبون ذلك الغساق والحميم وليس لكم شيء عندي سوى المزيد من أنواع العذاب وهذا كما تشكو إلى الناس من الجاني عادا أنواع جناياته لهم وهو حاضر عندهم ثم تقبل عليه إذا حميت في شكايته وغلب غضبك عليه مواجها بالتوبيخ والزام الحجة .