اسماعيل بن محمد القونوي
269
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الواجب لذاته زال ذلك الاضطراب وتستقر دون معرفة أي عند معرفته وأما معرفة الممكن فلا يستقر عندها بل يطلب له علة لكونه ممكنا في وجوده يحتاج إلى علة ثم وثم حتى ينتهي إلى الواجب لذاته فحينئذ سكنت عن القلق لأن وجوده من ذاته وذاته يقتضي وجوده قدم هذا المعنى لأنه أنسب هنا لمقابلته غير المتذكر باللّه تعالى والمحروم عن معرفته والمشتغل غيره تعالى ولذا قال هنا وتستغني به عن غيره فلا يرجو إلا رحمته ولا يخاف إلا عذابه وأما غير المتذكر فيرجو الضر والنفع عن غيره كالأصنام ففي قوله : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ [ الفجر : 27 ] الخ تعريض لضدهم فعلم من هذا البيان أن الترقي التفكر في الأدلة العقلية الدالة على وجود الواجب لأن وجوده لا يعرف بالأدلة السمعية بالاتفاق « 1 » لتوقف الشرع عليه ولو توقف على الشرع لزم الدور قيل وتستفز بالفاء والزاء المعجمة أي استغنت عما سواه والظاهر أنه من الاستقرار بالقاف والراء المهملة . قوله : ( أو إلى الحق بحيث لا يريبها شك ) عطف على قوله إلى الواجب الخ بحيث لا يريبها أي لا يقلقها شك أي تترقى في سلسلة الأسباب والمسببات إلى الحق وهذا أعم من الأول ليعم الواجب وغيره من سائر الحق فإن أبيت عن ذلك فقل المراد بالحق ما سوى الواجب وقيل إلى الحق عطف بحسب المعنى على قوله بذكر اللّه لأن المعنى المطمئنة إلى ذكر اللّه وإلى ذكر الحق قال تعالى : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [ الرعد : 28 ] والاطمئنان يتعدى بالباء وأيضا الاطمئنان بالحق لا بذكره فالأولى أن يقال لأن المعنى المطمئنة بذكر اللّه وبالحق والظاهر ما ذكرناه . قوله : ( أو الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن وقد قرىء بهما ) أو الآمنة عطف على ما قبله بحسب المعنى فإن المعنى حينئذ النفس المطمئنة المستفزة بمعرفة اللّه تعالى أو النفس المؤمنة المتوفاة على الإيمان والحاصل أن الاطمئنان إما سكون الاستقرار في مقابلة الانتقال من الأسباب إلى المسببات وإما سكون الأمن في مقابلة الخوف والحزن وإما سكون اليقين في مقابلة الريب والشك كما قيل وهذا على ما اختار ذلك القائل وأما على ما ذكرناه فالحاصل أن الاطمئنان هو السكونة أما سكون الاستقرار في مقابلة الانتقال من الأسباب إلى المسببات إلى الواجب لذاته فقط أو إلى الحق مطلقا وهذا يستلزم سكون اليقين في مقابلة الريب أو سكون الأمن في مقابلة الخوف والحزن الخوف لما سيأتي والحزن لما مضى وهذا يشعر بأن الخوف والحزن متحققان أولا فحصل له الاضطراب ثم زال فحصل له الأمن وفيه تأمل إذ ظاهر قوله تعالى : لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ البقرة : 62 ] يأبى عنه فإن المتبادر هو السلب الكلي ورفع الإيجاب الكلي خلاف الظاهر فالاكتفاء بالأولين أولى لكنه تعرض له لقراءة أبي بن كعب كما قال وقد قرىء بهما .
--> ( 1 ) أي باتفاق الأشعري والماتريدي وأما وحدته تعالى فذهب الأشعري وبعض من أصحابنا فيعرف بالسمع .