اسماعيل بن محمد القونوي
259
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
التوسعة قد تفضي إلى قصد الأعداء والانهماك في حب الدنيا ) لقصور نظره على لذات الدنيا الفانية وسوء فكره فيظن أن الإحسان بالجاه والغنى ويعتقد أن خلافه إهانة إذ المعنى في الموضعين فيقول قولا صادرا عن اعتقاد فإن التقتير أي تضييق الرزق قد يؤدي إلى كرامة الدارين أما في الآخرة فظاهر وأما في الدنيا فلكونه سببا للاحتراز عن المعاصي فيكون مصونا عن المعاتبة ويكون محبوبا في القلوب وموقرا فوق الأغنياء ذوي جاه لكن هذا بالنسبة إلى بعض الأشخاص وفي الحديث القدسي « إن من عبادي من لو أغنيته لفسد حاله وبعضهم من أفقرته لفسد حاله ولو جعلته مريضا أو صحيحا لفسد حاله » ولذا قال المص قد يؤدي الخ وقد يفضي الخ بقد التقليلية في الموضعين وكذا الصحة والمرض والجاه وعدمه . قوله : ( ولذلك ذمه على قوليه وردعه عنه بقوله : كَلَّا [ الفجر : 21 ] ) ولذلك أي لأن كون التقتير قد يؤدي الخ ولكون التوسعة الخ ذمه على قوليه أي قول أَكْرَمَنِ [ الفجر : 16 ] وقول : أَهانَنِ [ الفجر : 16 ] والذم مستفاد من وضع فَيَقُولُ رَبِّي [ الفجر : 16 ] الخ موضع فيشكر ربه مع أن هذا القول ليس بتحديث النعمة بل للافتخار وادعاء الاستحقاق والقرينة عليه قوله : رَبِّي أَهانَنِ [ الفجر : 16 ] وقت ابتلائه بالتقتير والذم في الثاني ظاهر حيث وضع هذا القول المخالف موضع الصبر والتعرض للرب في الثاني لشدة شكيمته وفرط طغيانه حيث أسند الإهانة إلى الرب . قوله تعالى : [ سورة الفجر ( 89 ) : آية 17 ] كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ( 17 ) قوله : ( مع أن قوله الأول مطابق لأكرمه ) أي بحسب الظاهر وإلا فلا مطابقة في نفس الأمر وإلا فلا يصح إطلاق الذم وإطلاق الذم قرينة على ما ذكرناه والحاصل أن هذه كلمة قوله : مع أن قوله الأول مطابق لاكرمه ولم يقل فأهانه وقدر عليه يعني كان حق الموازاة بين القرينتين أن يقال في القرينة الثانية أو ما الإنسان إذا ما ابتلاه فأهانه وقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن وترك لفظ الإنسان ولفظة فأهانه حتى يقال الإنسان في الثانية بالإنسان الواقع بالأولى ويقابل فأهانه في الثانية بقوله : فَأَكْرَمَهُ [ الفجر : 15 ] في الأولى إما ترك لفظ الإنسان فلدلالة الأولى عليه فكان مقدرا والمقدر كالملفوظ وإما ترك فأهانه فلأن توسعة الرزق اكرام وتفضل والتضييق في الرزق ليس بأهانة لأن التضييق ترك تفضل وترك التفضل لا يسمى إهانة ويوافق هذا ما ذكر محيي السنة فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه بالنعمة فأكرمه بالمال ووسع عليه فيقول ربي أكرمني بما أعطاني وأما إذا ابتلاه بالفقر فقدر عليه رزقه أي أعطاه ما يكفيه أو ضيق عليه فيقول ربي أذلني بالفقر وهذا يعني به الكافر يكون الكرامة والهوان عنده بكثرة الحظ في الدنيا وقلته قال الكلبي ومقاتل الآية نزلت في أمية بن خلف الجمحي الكافر فرد اللّه على من ظن أن سعة الرزق إكرام وأن الفقر إهانة فقال كلا لم ابتله بالغنى لكرامته ولم ابتله بالفقر لهوانه فأخبر أن الاكرام والإهانة لا تدور على المال وسعة الرزق ولكن الفقر والغنى تقديره فيوسع على الكافر لا لكرامته ويقدر على المؤمن لا لهوانه إنما يكرم المرء بطاعته ويهينه بمعصيته .