اسماعيل بن محمد القونوي

230

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

والخشوع الإخبات والتواضع والذل لازمه وعبر به تهكما بأنهم لم يخشعوا في وقت الخشوع فعلم منه أن إتيان الحديث لم يتحقق قبل هذا فتقرير إتيانه كما هو الظاهر من أن الاستفهام للتقرير لكونه على شرف الاتيان وقيل الاستفهام للتعجيب مما في حيزه والتشويق إلى استماعه فعلى هذا كأنه عليه السّلام قال ما أتاني حديثها ما هو فأخبره عنها فقال وجوه يومئذ الخ وما ذكره ليس بمتعارف في معاني الاستفهام وما ذكرناه من أنه مجاز أولى أوفق للاستعمال وأبلغ في المقال وجوه مبتدأ لأن التنوين للتكثير أو للتنويع أي وجوه كثيرة أو متنوعة فيكون في حكم النكرة المخصصة وخاشعة خبرها ويومئذ ظرف لها قدم عليها لرعاية الفاصلة ولكثرة الطاغين قدموا وقدم الإخبار في بعض المواضع لشرافتهم . قوله تعالى : [ سورة الغاشية ( 88 ) : آية 3 ] عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ( 3 ) قوله : ( تعمل ) أي اسم الفاعل بمعنى المستقبل . قوله : ( ما تتعب فيه ) منفهم من المقام فالناصبة من النصب بمعنى التعب والمشقة وجعل ناصبة مفعول عاملة ميلا إلى المعنى لأن معناها تنصب في العمل وحاصله ما ذكر المص وبهذا يظهر وجه تأخير الناصبة ولو اكتفى بها لكفى لكن أريد مزيد التوضيح . قوله : ( كجر السلاسل وخوضها في النار كخوض الإبل في الوحل والصعود والهبوط في تلالها ووهادها ) الوحل بفتحتين والحاء المهملة الطين المبلول بالماء وإنما شبه به لأن الإبل لا حافر لها فيصعب عليها المشي في الوحل وهذا لكونه أعرف جعل مشبها به وإلا فكم بين الخوضين بون بعيد تلالها جمع تل وهو المرتفع من الأرض دون الجبل والوهاد جمع وهدة وهو المنخفض من الأرض في تلالها متعلق بالصعود والهبوط تنازعا وكذا وهادها . قوله : تعمل ما تتعب فيه ذكر صاحب الكشاف في عامِلَةٌ ناصِبَةٌ [ الغاشية : 3 ] وجوها ثلاثة قال تعمل عملا تتعب فيه وهو جرها السلاسل والاغلال وخوضها في النار كما تخوض الإبل في الوحل وارتقاؤها دائبة في صعود من نار وهبوطها في حدور منها وقيل عملت في الدنيا أعمال السوء والتذت بها وتنعمت فهي في نصب منها في الآخرة وقيل عملت ونصبت في أعمال لا تجدي عليها في الآخرة من قوله : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ [ الفرقان : 23 ] وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [ الكهف : 105 ] أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ [ آل عمران : 22 ] تم كلامه فالوجه الأول مبني على أن العمل والنصب أي التعب كلاهما في الآخرة والثاني أن العمل في الدنيا والنصب في الآخرة والثالث أن العمل والنصب كلاهما في الدنيا وفي جعل العمل والنصب في الدنيا نظر لأن هذه أخبار ثلاثة لوجوه مقيدة بيومئذ والمعنى خاشعة عاملة ناصبة يوم القيامة والتأويل بحمل الأخيرين على أنهما خبر مبتدأ محذوف أي هي عاملة ناصبة حكاية عن الحال الماضية بعيد وإخراج لتأليف النظم عن نسقه لأن المعنى ح وجوه خاشعة يوم القيامة وهي قد كانت عاملة ناصبة في الدنيا واللفظ لا يساعد على إفادة هذه المقدرات والأقرب أن يكون من باب إذا ما انتسبنا لم تلدني ليمة أي ظهر لهم يومئذ أنها كانت خاشعة عاملة ناصبة في الدنيا بلا فائدة فكأن في قول القاضي لا تنفعها يومئذ إيماء إليه .