اسماعيل بن محمد القونوي

222

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( أو لذم المذكرين ) بفتح الكاف . قوله : ( واستبعاد تأثير الذكرى فيهم ) عطف تفسير للذم فلا يكون معنى الشرط مرادا بل المراد لازمه وهو عدم تأثير الذكرى وفي الكشاف كما تقول عظ فلانا أن تسمع منك قاصدا بهذا الشرط استبعادا لقبوله فالمعنى فذكر الخلق طرا إن نفعت الذكرى أي الذكر وتأثيره مستبعد ممن طبع على قلوبهم كما قال تعالى : وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [ يونس : 101 ] . قوله : ( أو للإشعار بأن التذكير إنما يجب إذا أمكن نفعه ولذلك أمر بالإعراض عمن تولى ) هذا هو الجواب الثالث أي أو الشرط يراد معناه والجواب حينئذ عن الإشكال بأن وجوب التذكير إن أمكن نفعه وإلا فلا وجوب أصلا وهذا هو الفرق بين هذا وبين الوجه الأول يعني أن الشرطية في الأول قيد لإدامة التذكير وفي هنا قيد لإحداثه فلا حاجة فيه إلى ملاحظة مجيئها بعد تكرير التذكير بل لا يصح ذلك لأنه عين الوجه الأول ويلزم منه أن لا يجب ابتداء على رسول اللّه عليه السّلام تذكير من يعلم باعلام اللّه تعالى أنه لا يؤمن كأبي لهب ونحوه وفيه نظر فإنه كان واجبا عليه عليه السّلام لإلزام الحجة عليهم حتى لا يقولوا إنا كنا عن هذا لغافلين والجواب أن المراد هنا أيضا بعد تذكيره مرارا أو مرة واحدة والفرق أن ههنا تعرض للوجوب وعدمه دون هناك ويؤيده قوله ولذلك أمر بالإعراض عمن تولى ولا ريب أن الأمر بالإعراض بعد تكرير التذكير وحصول اليأس عن الإيمان قال المصنف في تفسير قوله تعالى : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [ الصافات : 174 ] أي فأعرض عن مجادلتهم بعد ما كررت عليهم الدعوة فأبوا إلا العناد والإصرار وهذا صريح فيما قلنا لكن الأولى ذلك الوجه الثالث في جنب الوجه الأول ونفع الذكرى لمن قدر اللّه تعالى إيمانه ويعرف ذلك بأمارات وعلامات أو لمن آمن فإن الذكرى تزيده هداية والتعبير بالتذكير لأن ما أوحي إليه كالمركوز في عقولهم من فرط تمكنهم من معرفته بما نصب عليه من الدلائل وهذا كاف في التعبير بالتذكير وإن كان هذا بالنسبة إلى الأحكام التي يمكن معرفتها بالعقل كأنهم ذهلوا عن تلك الأحكام فذكروها بالوحي . قوله : أو للإشعار بأن التذكير إنما يجب إذا ظن نفعه ولذلك أمر بالإعراض عمن تولى أقول بل وجب لنفع من قبل والزام الحجة على من امتنع ونيل المبلغ فضل التبليغ والأمر بالاعراض إنما هو بعد التذكير والتولي عن الموعظة وعدم قبولها قال الواحدي ومحيي السنة عظ يا محمد أهل مكة إن نفع التذكير أو لم ينفع لأنه صلوات اللّه عليه وسلامه بعث للإنذار فعليه التذكير في كل حال نفع أو لم ينفع تأكيدا للحجة واكتسابا للمثوبة ولم يذكر الحالة الثالثة كقوله تعالى : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] ليوافق قوله : سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى [ الأعلى : 10 - 12 ] .