اسماعيل بن محمد القونوي

216

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

السواد من شدة الخضرة كقوله تعالى : مُدْهامَّتانِ [ الرحمن : 64 ] خضراوان يضربان إلى السواد من شدة الخضرة كذا قال المصنف وهذا أكثري لا كلي كما في اليابس مرضه أما أولا فلأنه بعيد مع استقامة جعله نعتا لغثاء فلا يخلو عن اشتباه وأما ثانيا فلأن معنى أحوي كونه أسود هو المتعارف المشهور وأما كونه بمعنى النبات الشديدة الخضرة يضرب إلى السواد فنادر واعتذر بعضهم بأن تأخيره إذا جعل حالا من المرعى للمحافظة على رؤوس الآي وقول المصنف أخرجه أحوى إشارة إليه . قوله تعالى : [ سورة الأعلى ( 87 ) : آية 6 ] سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ( 6 ) قوله : ( على لسان جبريل عليه السّلام ) فالإسناد مجازي لكونه آمرا به وهذا من أقسام الوحي كما قال تعالى : أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [ الشورى : 51 ] . قوله : ( أو سنجعلك قارئا بالهام القراءة ) نبه به على أن همزة الأفعال للتعدية وفي المعنى الأول أيضا كذلك أي سنقرئك على لسان جبريل فيجعلك جبريل قارئا والإسناد في هذا الاحتمال حقيقي كما هو الظاهر من المقابلة لكن المراد الوحي بواسطة جبريل عليه السّلام كما ورد في حديث البخاري وأنه كصلصلة الجرس وهو أن يلحقه كالغشي ويسمع صدى يقر في قلبه المنيف بألفاظ ملهمة مشبهة في صحائف حفظه المشرفة كذا قيل ولما كان للالهام مدخلا قال المصنف سنجعلك قارئا بالهام القراءة وأما في الاحتمال الأول فوحي محض يأتي جبريل عيانا ويقرأ عليه القرآن فاندفع ما قيل إن صيرورة الرسول عليه السّلام قارئا بغير واسطة جبريل خلاف ما اشتهر في الدين ولم يقل به أحد كأنه لم ينظر إلى أول البخاري أو لم يطلع عليه . قوله : ( أصلا من قوة الحفظ ) أي نفي النسيان في عموم الأوقات « 1 » بقرينة الاستثناء وإلا لم يصح الاستثناء قوله أصلا منصوب على المصدرية أي انتفاء بالكلية كذا نقل عن شرح المفتاح الشريفي وقيل إنه غير محول عن الفاعل أي انتفى انتفاء بالكلية . قوله : ( مع أنك أمي ليكون ذاك آية أخرى لك مع أن الإخبار به عما يستقبل ووقوعه كذلك أيضا من الآيات ) ليكون ذاك آية أخرى لك ولنبوتك كما أن القرآن نفسه آية على رسالتك لكونه معجزا وأما الأول فلكون عدم النسيان خارقا للعادة من الأمي الذي لا ينشأ قريضا ولا يشاهد عالما مع الإخبار عن المغيبات وهي الإخبار بعدم النسيان فيما سيأتي ومطابقته لما في نفس الأمر من الآيات الدالة على نبوتك لكونه مقارنا لدعوى النبوة فالضمير في الإخبار به راجع إلى قوله : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [ الأعلى : 6 ] وفيه إشارة إلى أن السين للاستقبال أي سنقرئك فيما سيأتي كما اقرأناك فيما مضى من ابتداء زمن الوحي فيكون حينئذ وعدا كريما باستمرار الوحي مع عدم نسيانه وهو محط الفائدة وهذا مرتبة رابعة من المراتب الأربعة مختصة بالنبي عليه السّلام كما أشرنا إليه في أول الدرس

--> ( 1 ) وحاصله بوجه ما لا بطريق النسخ ولا بغيره .