اسماعيل بن محمد القونوي

192

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله تعالى : [ سورة البروج ( 85 ) : آية 16 ] فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ( 16 ) قوله : ( لا يمتنع عليه مراد من أفعاله وأفعال غيره ) من أفعاله أي بلا مدخلية كسب وأفعال غيره أي بمدخلية كسب والكل أفعاله خلقا لكن لما كان إسناد الفعل إلى الكاسب حقيقة قال وأفعال غيره فمراده تعالى لا يتخلف عن إرادته قطعا فالكفر مراده تعالى وكذا سائر المعاصي لكن لا يرضى عنه فلو أراد « 1 » إيمان الكافر وطاعة العاصي أوجدهما هو رد على المعتزلة فإنهم قالوا إنه يريد إيمان الكافر وطاعة العاصي لكن لم يوجد قوله تعالى : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [ البروج : 16 ] نص صريح على أنه تعالى لو أراد إيمان الكافر وطاعة العاصي لفعلهما وهؤلاء أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [ محمد : 24 ] فما ذكره الكشاف من قوله وإنما قيل فعال لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة فإن أراد به أن بعض ما أراده لم يفعل فهو خلاف النص كما عرفته وإن أراد به ظاهره وإن كان خلاف مذهبه فمرحبا بالاتفاق . قوله تعالى : [ سورة البروج ( 85 ) : آية 17 ] هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ( 17 ) قوله : ( هَلْ أَتاكَ [ البروج : 17 ] ) أي أليس قد أتاك حديث الخ فيسليك على تكذيب قومك لأن هل بمعنى قد وهمزة الاستفهام قبلها محذوفة كما مر توضيحه في قوله : لا يمتنع عليه مراد من أفعاله وأفعال غيره قوله وأفعال غيره رد على المعتزلة في قولهم العبد خالق لأفعاله فسر صاحب الكشاف قوله : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [ البروج : 16 ] على وفق مذهبه حيث قال وإنما قيل فعال لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة قال صاحب الانتصاف لا فاعل إلا هو وبهذا ينتظم الآية فإن كثر ما أراده اللّه تعالى عند المعتزلة لم يكن تعالى اللّه عن ذلك هب أنا اعرضنا عن أدلتنا أليس قوله تعالى : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [ البروج : 16 ] يقتضي العموم وأنه تعالى يفعل ما يريد وأن اقتضاء مذهبه يخالف تفسيره فإنهم يقولون اللّه يريد من العباد الإيمان والطاعة ولا يريد الكفر والمعصية ولا شك أن الثاني أكثر وقوعا وأيضا أن العباد إذا كانوا فاعلين لأفعالهم مستقلين في خلقها فكان الكثرة فيها وقال الإمام احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة خلق الأعمال قالوا لا خلاف في أنه يريد الإيمان من المكلف فوجب أن يكون فاعلا له وإذا كان فاعلا للإيمان وجب أن يكون فاعلا للكفر ضرورة أنه لا قائل بالفرق جعل صاحب الكشاف رفع فعال لما يريد على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو فعال لما يريد وإنما أخرجه عن سلك الأخبار المذكورة لأن جملة إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [ البروج : 16 ] لورودها على وجه الاستئناف تبين وتحقق الصفتين المذكورتين وهما البطش الشديد بالاعداء والمغفرة والود للأولياء ولو سرد تلك الأخبار لفاتت تلك النكتة قال الطيبي وإنما فصله لأنه كالفذلكة للأوصاف السابقة ونكره لضرب من التعظيم يتلاشى عنده الأوهام والعقول .

--> ( 1 ) والمعتزلة يخالفوننا في أمرين أحدهما أن إيمان الكافر وطاعة العاصي مراد اللّه تعالى لكنه تخلف عن إرادته فلم يوجد وثانيهما أن كفر الكافر مثلا ليس مراده وقد وجد والنص رد عليهم القول الأول وأما الثاني فلا يفهم رده هنا بل هو مردود في موضع آخر .