اسماعيل بن محمد القونوي
14
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 12 ] وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً ( 12 ) قوله : ( وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ [ النبأ : 12 ] ) عبر عن الخلق بالبناء لأنه أريد تشبيهها بالقباب المضروبة على الخلق قال المص في قوله تعالى : وَالسَّماءَ [ البقرة : 22 ] بناء قبة مضروبة عليكم البناء الذي بمعنى المبني كل ما يرفع ليستر به بيتا كان أو خيمة لكن بالغلبة التحقيقية في الأول صار حقيقة عرفية ولما كان الرفع معتبرا في البناء عبر عن خلق السماء بالبناء كما عبر بالسقف في قوله تعالى : وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [ الأنبياء : 32 ] فالقول بأن البناء يختص بأسفل البيت ضعيف جدا . قوله : ( سبع سماوات أقوياء محكمات لا يؤثر فيها مرور الدهور ) إشارة إلى أن مميز سبع سماوات وشدادا صفتها في الحقيقة أقوياء معنى شداد حذف المميز لظهوره ولذكره في مواضع شتى وذكره بعد جعل الأرض مهادا للإشارة إلى أن خلق السماء بعد خلق الأرض ومختار المصنف عكسه وسيجيء الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى في سورة والنازعات . قوله تعالى : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 13 ] وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً ( 13 ) قوله : ( متلألئا وقادا من وهجت النار إذا أضاءت أو بالغا في الحرارة من الوهج وهو الحر ) أي وهاجا مأخوذ من هذا المعنى ولا يلاحظه فيه كونها حارة قوله من الوهج والأمر فيه بالعكس أي يلاحظ فيه الحر دون الإضاءة ويجوز أن يراد المعنيان معا أما عند المصنف فظاهر حيث جوز إرادة المعنيين المشتركين معا إذا لم يتخالفان وأما عندنا فبأن يراد ما يطلق عليه وهاجا . قوله : ( والمراد الشمس ) لأن ما ذكر وصف منحصر فيها فاستغنى بذكر الصفة عن ذكر الموصوف والظاهر أن جعل متعد هنا إلى واحد فيكون بمعنى خلق لأن وهاجا صفة سراجا واحتمال كون وهاجا مفعولا ثانيا ضعيف لأنهما نكرتان وإن قيل إن الشمس لانحصارها في فرد كالمعرفة فإنه بعيد وهذا أيضا من التشبيه البليغ أي كالسراج . قوله تعالى : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 14 ] وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً ( 14 ) قوله : ( أي السحائب إذا أعصرت أي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك احصد الزرع إذا حان له أن يحصد ) لما كان المراد بها السحائب وهي معصورة لا عاصرة ومعصرة حاول بيان وجه كونها من المعصرات باسم الفاعل فحمل همزة الأفعال على الحينونة فقال أي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر ثم أوضحه بقوله كقولك احصد الزرع الخ فإن الزرع فاعل احصد مع أنه محصود لا حاصد ولا محصد وكذا ما نحن فيه إذ السحاب فاعل المعصرات مع أنها معصورة كما عرفته ووجه ذلك أن همزة الأفعال للصيرورة أي لصيرورة الشيء منسوبا إلى ما اشتق منه الفعل كاغد البعير أي صار ذا غدة لكن في احصد الزرع ليس حصول المعنى وتحققه بل مشارفة