اسماعيل بن محمد القونوي
53
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
استثناء جميع أجزائه لأن الاستثناء بمنزلة النفي والنفي إذا توجه إلى مقيد فيه احتمالات ثلاثة والأشهر توجه النفي إلى القيد وهنا بالعكس لقيام القرينة عليه وقد يتوجه إلى مجموع المقيد والقيد والكل موكول إلى القرينة وكذا الكلام في الاستثناء يحتمل ثلاثة احتمالات وفائدة القيد مع أنه غير مستثنى إظهاره عليه السّلام عجزه وتفويض الأمر إلى اللّه تعالى كأنه قال لأستغفرن لك حال كون طاقتي الاستغفار لا غير فلا إشكال بأن ما ليس من المستثنى لم يذكر في ذيل المستثني . قوله : ( متصل بما قبل الاستثناء ) أي من جملة الأسوة الحسنة ينبغي التأسي به عليه السّلام كذا في الكشاف لكن في الكشف قال من حيث المعنى وإلا فهو استئناف لا محل له من الإعراب بيانا لحالهم في المهاجرة ثم اللجاء إلى اللّه تعالى في كفاية شرهم وتبعه بعض المحشين ولا يخفى عليك أن اللجاء إلى اللّه تعالى من أعظم الأسوة الحسنة فالظاهر أنه حال من فاعل إذ قالوا لقومهم بتقدير القول وجه ذكره بعد الاستثناء هو أن الاستثناء من تتمة الأسوة الحسنة المذكورة أي إذ قالوا إنا براء منكم قائلين ربنا عليك الخ قيد المهاجرة بالتضرع إلى اللّه تعالى دفعا لمكرهم إذ هذا القول يؤدي إلى قصد الشرور والإضرار حمية لمعبوداتهم الأشرار . قوله : ( أو أمر من المؤمنين بأن يقولوه تتميما لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار ) أو أمر من اللّه للمؤمنين بتقدير قولوا على طريق الاستئناف لأنه لما وصاهم بأنه لا تتخذوا عدوي الخ كان قائلا قال اتخاذ العدو أولياء لدفع شرهم كما نقل عن حاطب قوله : متصل بما قبل الاستثناء يعني قوله : رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا [ الممتحنة : 4 ] الآية متصل بما قبل الاستثناء أي هو من جملة مقول القول في إِذْ قالُوا [ الممتحنة : 4 ] داخل معه في جملة ما يتأسى به وما وقع في البين من حديث الاستثناء استطراد لبيان رذيلة يجب الاجتناب عنها وتمام بيان وجه اتصاله بما قبله أنهم لما خاطبوا القوم بقولهم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا باللّه وحده ونبهوهم هم على إظهار العداوة لأجل الدين التجوا إلى اللّه عز وجل من كيدهم ومكرهم وأنابوا إليه واستعاذوا من فتنتهم وحين بولغ في التوصية بالتأسي بهم ذكر خصلة واحدة يجب الاجتناب عنها فأورد في خلال الكلام اهتماما له . قوله : أو أمر من عند اللّه تعالى للمؤمنين فعلى هذا يكون متصلا بمفتتح السورة وذلك أنه تعالى لما حذر المؤمنين من موالاة أعدائه وأعدائهم ونسب من يفعل مثل فعلهم إلى الضلالة وخطأ رأيهم بموالاتهم من جميع الجهات وهددهم بقوله : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [ الممتحنة : 3 ] وأراد أن يرشدهم إلى مجرى الصواب والاهتداء إلى الطريق القويم قال أولا قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم أي كافحوا الكفار مكافحة خليل اللّه والذين معه كاشفوهم بالعداوة وقشروا لهم العصا وأظهروا البغضاء بدل الموالاة والمصافاة وثانيا رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا [ الممتحنة : 4 ] أي اعبدوا اللّه بإبدال موالاة الكفار بالتوكل على العزيز الجبار والإنابة إلى اللّه تعالى في كل حال والاستعاذة في فتنة الأعداء والاستغفار بما فرط منهم من الموالاة .