اسماعيل بن محمد القونوي
47
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الماضي للتنبيه على أن المعنى مستقبل والنكتة المذكورة مخالفة لفظا إذ حقه أن يكون لفظ المستقبل مطابقا لمعناه . قوله : ( للإشعار بأنهم ودوا ذلك قبل كل شيء وإن ودادتهم حاصلة وإن لم يثقفوكم ) للإشعار بيان النكتة قوله ودوا قبل كل شيء أراد به المبالغة التامة وإلا فحق البيان ودوا قبل إظهار العداوة والبسط المذكور إذ النكتة كون هذا ماضيا وذاك مضارعا مع أنه في نفسه غير مطابق للواقع لكن المبالغة أمر حسن من محسنات البديع لأن هذه المبالغة من المبالغة التي تمكن عقلا لإعادة إذ تقدم ودادتهم على كل شيء ممكن لإعادة بل عقلا قوله وإن ودادتهم الخ هذا تصريح بما علم ضمنا لكن يرد عليه إن الشرط لا بد وأن يكون مدخلا في حصول الجزاء ولو كان غير تام فحينئذ لا يكون ودوا جوابا لقوله : إِنْ يَثْقَفُوكُمْ [ الممتحنة : 2 ] ولذا ذهب بعضهم إلى أن ودوا معطوف على مجموع الشرط والجزاء لا على الجزاء وحده كما أن وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [ الأعراف : 34 ] في قوله تعالى : فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [ الأعراف : 34 ] معطوف على مجموع الشرط والجزاء لا على الجزاء وحده على قول لكن لا يلائم سوق كلام المصنف فإنه على كون ودوا جوابا وقوع ودوا هنا بلفظ المضي إن الماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب فإن فيه نكتة كأنه قيل وود وأقبل كل شيء كفركم وارتدادكم يعني أنهم يريدون بكم مضار الدنيا والدين جميعا من قتل النفس وتمزيق الاعراض وردكم كفارا لسبق المضار عندهم وأولها لعلمهم أن الذين أعز عليكم من أرواحكم لأنكم بذالون لها دونه والعدو أهم شيء عنده أن يقصد أعز شيء عند صاحبه إلى هنا كلامه قال صاحب التلخيص في كلام صاحب الكشاف نظر لأن ودادتهم أن يرتدوا كفارا حاصله وإن لم يظفروا بهم فلا يكون في تقييدها بالشرط فائدة فالأولى أن يجعل قوله تعالى : وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ [ الممتحنة : 2 ] عطفا على الجملة الشرطية كقوله تعالى : وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ [ آل عمران : 111 ] قال صاحب الكشاف فيه عدل بقوله : ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ [ آل عمران : 111 ] عن حكم الجزء إلى حكم الإخبار ابتداء كأنه قيل ثم أخبركم بأنهم لا ينصرون وأجيب عنه بأن الذي ظننته جزاء هو قوله : يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً [ الممتحنة : 2 ] أيضا لا يصلح لذلك لأن كونهم أعداء حاصل سواء ظفروا أو لم يظفروا كقوله تعالى : لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [ الممتحنة : 1 ] لكن المراد أن يظفروا بكم يستوفوا منكم متمناهم الذي هو مقتضى أن يكونوا خالصي العداوة من بسط الأيدي والألسن والرد إلى الكفر فعطف يبسطوا وودوا على قوله يكونوا على طريقة أعجبني زيد وكرمه فيكون كل من بسط الأيدي والألسن والرد إلى الكفر متمناهم وأهم شيء عندهم لانحسام مادة العداوة العداوة به صرح تمنيهم إياه وعدل إلى لفظ الماضي لبيان الأولوية والأولية وتحريره أنه تعالى لما نهى المسلمين عن اتخاذ من يعاديهم أولياء بقوله : لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [ الممتحنة : 1 ] وأراد أن يخبر عن مطوي سرائرهم من تمنيهم للمسلمين مضار الدنيا والدين وانتهازهم الفرصة لتحقيق متمناهم قال : إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً [ الممتحنة : 2 ] كما قررناه فظهر أن الجزاء مقدر وهو يستوفوا منكم متمناهم وما وقع في خير الجزاء ليس جزاء لعلة ذكرت بل هو دليل الجزاء فهو من إطلاق السبب على المسبب .