اسماعيل بن محمد القونوي
33
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
لها أي مداومين على النسيان « 1 » فإن نسيانهم حق اللّه تعالى بنسيان أنفسهم حتى لم يسمعوا لأنهم مختومون على سمعهم وعلى قلوبهم بسبب إصرارهم فلا يستطيعون السمع والرؤية وإنما لم يتعرض لعدم الرؤية صريحا بل اكتفى بقوله ولم يفعلوا الخ لأن آفة السمع أشد وضرره أكثر . قوله : ( الكاملون في الفسوق ) تصحيح للحصر وقد مر توجيهه غير مرة وهذا أبلغ من ولا تنسوا اللّه الخ . قوله تعالى : [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 20 ] لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ ( 20 ) قوله : ( الذين استكملوا نفوسهم فاستأهلوا للجنة والذين استمهنوها فاستحقوا النار ) الذين استكملوا وهم الذين اتقوا اللّه فاستأهلوا بسبب الاستكمال بالعقائد الصحيحة والأعمال الصالحة وفي التعبير بالاستكمال تنبيه على أن كماله بالطلب والكسب والذين استمهنوها أي جعلوها مهانة ذليلة بسبب نسيان حقوق اللّه تعالى وبهذا البيان ظهر ارتباطه بما قبله . قوله : ( واحتج به أصحابنا على أن المسلم لا يقتل بالكافر بالنعيم المقيم ) واحتج أصحابنا لأنه نفى الاستواء بينهم مطلقا فيقتضي أن لا يستوي دماؤهم والقصاص بناء على التساوي في الدماء فإذا قتل المسلم الكافر الذمي عمدا لا يقتص وأجاب أصحابنا عنه بأن المراد نفي الاستواء في أحكام الآخرة لأن قوله أصحاب الجنة استئناف مسوق لبيان عدم الاستواء « 2 » فلا يتناول في أحكام الدنيا والقصاص بناء على التساوي في العصمة وحقن الدماء وهو موجود فيهم لأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا والتفصيل في كتب الفقه . الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ [ الحشر : 18 ] إلى آخره وذلك أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالتقوى التي هي قصوى كرامة اللّه تعالى كما قال : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [ الحجرات : 13 ] وبالنظر والتيقظ للعاقبة والأخذ في العمل وما يسره في غد إذا لقيه ثم نهاكم أن يكونوا من الغافلين الذين نسوا اللّه وتركوا الحذر فأهملوا العمل للغد فامتهنهم اللّه بالخذلان فأنساهم أنفسهم حتى رأوا في العاقبة من الأهوال ما نسوا فيها أنفسهم ذيل الكلام بقوله : لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ [ الحشر : 20 ] لمزيد الترغيب فيما يزلفهم إلى اللّه تعالى ويدخلهم دار كرامته ويجعلهم من أصحابها ومن ثمة لطف استدلال أصحابنا بهذه الآية ودق على أن المسلم لا يقتل بالكافر وحسن كلام القاضي حيث قال لا يستوي الذين استكملوا نفوسهم فاستأهلوا الجنة والذين استمهنوها فاستحقوا النار أقول أخذ القاضي رحمه اللّه هذا المعنى في الموضعين من إضافة الأصحاب فإنها في الأول للتعظيم وفي الثاني للتحقير .
--> ( 1 ) وهذا مجاز والنسيان في الاحتمال الثاني حقيقة . وصيغة الماضي فيه مأولة ولذا أخره . ( 2 ) بدلالة العدول من أصحاب التقوى والعصيان إلى أصحاب الجنة والنيران .