اسماعيل بن محمد القونوي
21
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة محمد ( 47 ) : آية 15 ] مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ ( 15 ) قوله : ( أي فيما قصصنا عليك صفتها العجيبة ) معنى المثل كما بينه في أوائل سورة البقرة أشار إلى أن مثل الجنة مبتدأ خبره محذوف قدر مقدما لأنه مختار سيبويه واختاره المصنف أيضا والمراد بما قصصنا قوله : جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا [ محمد : 12 ] أي من تحت قصورها الأنهار . قوله : ( وقيل مبتدأ خبره كمن خو خالد في النار وتقدير الكلام أمثل أهل الجنة كمثل من هو خالدا أو أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد ) وقيل مبتدأ مرضه لاحتياجه إلى تقدير المضاف في الموضعين واحتياجه أيضا إلى تقدير الهمزة بدون حاجة إلى ذلك وإلى ذلك أشار بقوله وتقدير الكلام الخ أمثل أهل الجنة الخ هذا تقدير قبل الحاجة إليه لكن رجحه المص في التقدير لأن إنكار التسوية بين أهل الجنة وبين أهل النار أهم من إنكار التسوية بين جزاء أهل الجنة وبين جزاء أهل النار وأيضا الأول موافق لما قبله من قوله : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ [ محمد : 14 ] الآية لأن هذا كالفذلكة له على هذا التقدير الأول وصاحب الكشاف اختار الثاني واكتفى به نظرا إلى أنه تقدير بعد مساس الحاجة وإن الأول منفهم مما قبله ولكل وجهة تقدير المثل في الأول لأن جعل الجنة مثل أهل النار غير صحيح بلا تمحل وكذا قدر في جانب المشبه به المثل لما ذكر وفي الثاني قدر المثل في المشبه وقدر أيضا في المشبه به مع تقدير الجزاء لعدم استقامة المعنى بدونه . قوله : ( فعري عن حرف ) الإنكار تفريع على التقدير المذكور حيث ذكر في التوضيح همزة الاستفهام وكونها للإنكار الوقوعي عرف بمعونة المقام ونبه به على أن الكلام وإن قوله : تقديره أمثل أهل الجنة كمثل من هو خالد أو أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد لما كان ظاهر الكلام أفاد تشبيه الجنة بالخالد في النار وهذا غير ظاهر المعنى صرف الكلام عن ظاهره بأن قدر همزة الإنكار المدلول عليها بالاستفهام المذكور فيما قبلها وقدر المضاف في أحد طرفي الكلام المسند إليه أو المسند فاستقام المعنى أي أمثل ساكن الجنة كمن هو خالد في النار فهذا كقوله تعالى : أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ [ التوبة : 19 ] أي أهل سقاية فيكون حينئذ تنظيرا لبعد التسوية بين المتمسك بالبينة وراكب الهوى ببعد التسوية بين المتنعم في الجنة والمعذب في النار فهو من باب تنظير الشيء بنفسه باعتبار حالين إحديهما أوضح بيانا من الأخرى فالمستمسك بالبينة هو المنعم في الجنة والمتبع للهوى هو المعذب في النار قال الفراء أراد من كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار يدل على هذا المحذوف قوله : وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [ محمد : 15 ] أو حرف التشبيه الدال على المشبه والمشبه به ذكره صاحب المطلع ولا بد من تقدير شيء أما عند المشبه كما ذهب إليه الفراء أو عند المشبه به كما قدره القاضي رحمه اللّه وهو كمثل جزاء من هو خالد في النار .