اسماعيل بن محمد القونوي

53

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( وما أعلمكم إلا ما علمت من الصواب وقلبي ولساين متواطئان عليه ) وما أعلمكم أي الهداية بمعنى اللغوي وهي الإعلام إلا ما علمت الخ إذ الإعلام يستلزم العلم وهنا الغرض النفي والاثبات لقوله إلا سبيل الرشاد فأشار إلى معنى الاستثناء قبل ذكره فلا ضير فيه قوله وقلبي معنى ما أريكم إلا ما أرى ولساني معنى وما أهديكم إلا سبيل الخ وهذا بناء على ما اختاره من أن الرؤية هي الرأي وهي حال القلب وأن الهداية هي الإعلام وهو فعل اللسان فلا خلل في ترتيبه . قوله : ( طريق الصواب وقرىء بالتشديد على أنه فعال للمبالغة من رشد كعلام أو رشد كعباد لا من أرشد كجبار لأنه مقصور على السماع ) وقرىء بالتشديد من رشد من باب علم كعلام فإنه من علم بكسر اللام من الثلاثي أو من رشد بفتح الشين كعباد فإنه من عبد من الباب الأول أشار إلى أن هذه الصيغة التي للمبالغة بنيت من الثلاثي من باب علم ومن باب نصر ولم يجئ من المزيد إلا في ألفاظ نادرة وردت على خلاف القياس وهي دراك من أدرك وقصار من أقصر عن الشيء وجبار من أجبر « 1 » ويسار من أسار ولهذا قال المصنف لا من أرشد الخ ورشد من الثلاثي بمعنى هدى وأصاب الحق قال في قوله تعالى : لَعَلَّهُمْ قوله : وما أعلمكم إلا ما علمت ولعل الواو فيه سهو من الناسخين وأصل النسخة أو ما أعلمكم بأو العلم صلة وأن موضع هذا التفسير ما قبل قوله : وَما أَهْدِيكُمْ [ غافر : 29 ] لأنه إنما يناسب قوله : ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى [ غافر : 29 ] دون قوله : وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ [ غافر : 29 ] . قوله : من رشد كعلام أي من رشد بالكسر كعلام من علم أو من رشد بالفتح كعباد من عبد لا من أرشد كجبار من أجبر لأنه مقصور على السماع قال ابن جني قراءة الرشاد بالتشديد قراءة معاذ بن جبل على المنبر وهو إما من رشد يرشد كعلام من علم يعلم أو من رشد يرشد كعباد من عبد يعبد ولا يحمل على ارشد لأن فعالا لم يأت من أفعل إلا محفوظة نحو أجبر فهو جبار وأسأر فهو سئار وأقصر فهو قصار وأدرك فهو دراك على أنهم قالوا جبره على الأمر وقصر عن الأمر فينبغي أن يكون جبار وقصار من فعل وكذا ينبغي أن يعتقد في سئار ودراك على أنهما خرجا بحذف الزيادة فصار إلى سئار ودراك تقديرا وإن لم يخرجا إلى اللفظ استعمالا كما قالوا أبقل المكان فهو بأقل وأورس الرفث فهو وارس وقالوا القحت الريح السحاب وهي لاقح وهذا على حذف همزة أفعل وإنما قياسه ملقح فعلى هذا خرج الرشاد إلى رشد بمعنى أرشد تقديرا لا استعمالا فإن قيل فإن المعنى إنما هو على أرشد فكيف أجزت أن يكون مجيئه من رشدا ورشد في معنى أرشد وأنه ليس من لفظ أرشد قيل المعنى راجع إلى أنه مرشد لأنه إذا رشد أرشد لأن الإرشاد من الرشيد فهو من باب الاكتفاء بالسبب عن المسبب وعليه قوله تعالى : وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [ الحجر : 22 ] أنها من لقحت هي وإذا لقحت القحت غيرها .

--> ( 1 ) أي على قول بعض العلماء وما ذكره في آخر سورة الحشر من أنه من جبر الثلاثي فهو مختار عنده فلا منافاة لكن الأولى تركه .