اسماعيل بن محمد القونوي
490
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( يا قومنا ) تكرير للأول اهتماما ولأن المنادى له أمر صعب ينبغي أن يقبلوا إليه بشراشره وعن هذا اختير بيا الموضوع للبعيد عند صاحب الكشاف وآمنوا به أي بداعي اللّه أو باللّه إن لم يؤمنوا به تعالى قبل هذا ويؤيده قوله : يَغْفِرْ لَكُمْ [ الأحقاف : 31 ] إذ على الأول يلزم تفكيك الضمير ولا ضير فيه . قوله تعالى : [ سورة الأحقاف ( 46 ) : آية 31 ] يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 31 ) قوله : ( بعض ذنوبكم وهو ما يكون في خالص حق اللّه فإن المظالم لا تغفر بالإيمان ) أشار به إلى أن من للتعيض قال في سورة نوح وهو أي بعض الذنوب ما سبق فإن الإسلام يجبه فلا يؤاخذكم به في الآخرة انتهى والمستفاد من هذا أن المظالم تغفر بالإسلام فإنه داخل فيما سبق على الإسلام فالبعضية بالنسبة إلى ما بعد الإسلام وهنا بالنسبة إلى خالص حق اللّه تعالى فبين كلاميه نوع تنافر فلا تغفل قيل وليس هذا على إطلاقه فإنها ساقطة أيضا عن الحربي كالقتل والغصب تقدم بعض تفصيله في سورة إبراهيم . قوله : ( هو معد للكفار واحتج أبو حنيفة رضي اللّه عنه باقتصارهم على المغفرة والإجارة على أن لا ثواب لهم ) والمشهور أن الإمام أبا حنيفة توقف في ثواب مؤمني الجن قوله : فإن المظالم لا تغفر بالإيمان قال صاحب ثم الانتصاف الحربي إذا نهب الأموال وسفك الدماء حسن إسلامه جب الإسلام ما تقدم ويقال إنه لا يرد وعد المغفرة للكافر على تقدير الإيمان إلا مبغضة وهذا منه فلعل سره أن مقام الكافر قبض لا بسط فلذلك لم يبسط رجاؤه في مغفرة كل الذنوب قال صاحب الانتصاف مقام الكافر عند ترغيبه في الإسلام بسط لا قبض وقد أمر اللّه سبحانه وتعالى موسى عليه السلام أن يقول لفرعون قولا لينا وقد ورد : إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [ الأنفال : 38 ] وهي غير مبغضة وما للعموم ولا سيما قد وقعت في الشرط والحديث الصحيح ينصر هذا التأويل وذلك أنه روي في صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قال لما جعل اللّه الإسلام في قلبي أتيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت ابسط يمينك فلأبايعك فبسط يمينه قال فقبضت يدي قال مالك يا عمرو قلت أردت أن أشرط قال أشرط ماذا قلت أن يغفر قال أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله قال التوربشتي اعلم أن الفضائل المرتبة بعضها على بعض مختلفة لا يجوز التسوية بينهما في الحكم وذلك أن الإسلام يهدم ما كان قبله على الإطلاق مظلمة كانت أو غير مظلمة كبيرة كانت أو صغيرة وأما الهجرة والحج يكفران الصغائر والكبائر فيما لا يتعلق بحقوق العباد كما عرفنا ذلك من أصول الدين تم كلامه وفي سنن ابن ماجة عن عباس بن مرداس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة فأكثر الدعاء فأجيب أني قد غفرت لهم ما خلا المظالم فإني آخذ للمظلوم منه قال أي رب إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم فلم يجب عشية عرفة فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل قال ضحك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو تبسم فقال له أبو بكر رضي اللّه عنه ما الذي أضحكك أضحك اللّه سنك يا رسول اللّه قال إن عدو اللّه إبليس لما علم أن اللّه تعالى أجاب دعائي وغفر لأمتي أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه ويدعو بالويل والثبور فأضحكني ما رأيت من جزعه .