اسماعيل بن محمد القونوي
455
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
المشركين أضل من كل أحد وهذا أبلغ من القول بأنهم أضل سبيلا والواو ابتدائية لا عاطفة كما هو الظاهر . قوله : ( حيث تركوا عبادة السميع المجيب القادر الخير إلى عبادة من لا يستجيب لهم ) وإنما قال تركوا مع أنهم عبدوه أيضا لما مر في أواخر المائدة من أن عبادة اللّه تعالى مع غيره كلا عبادة قوله السميع أي كل شيء أو الدعاء وهو الملائم لقوله المجيب أي الدعاء إذا دعاه بالشروط المعتبرة فيها وهذا مفهوم من دون اللّه بطريق مفهوم المخالفة كما هو مذهب المص أو بطريق الإشارة كما هو مذهبنا قوله إلى عبادة متعلق يتركوا بتضمين معنى الميل . قوله : ( أو سمع دعاءهم ) « 1 » فرض المحال للتبكيت قال تعالى : إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ [ فاطر : 14 ] أي ما قدروا الاستجابة . قوله : ( فضلا أن يعلم سرائرهم ويراعي مصالحهم ) أشار إلى أن ذلك مقتضى الألوهية وآلهتهم لا تقدر أهون من ذلك فكيف تستحق العبادة ودلالة النظم على ما ذكره المصنف بدلالة النص . قوله : ( ما دامت الدنيا ) « 2 » فإذا انقضت الدنيا وقامت العقبى فات وقت الاستجابة فلا مفهوم للغاية وإن كان مفهوم الغاية معتبرا بالاتفاق لما ذكرناه وقيل إن المراد أنها مستمرة ولكن لزيادة ما بعدها على ما قبلها كما في قوله تعالى : وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ [ ص : 78 ] بمعنى أن الطرد واللعن إلى يوم القيامة فإذا جاء ذلك اليوم لقي ما ينسى به اللعن مما هو أشد منه انتهى ولا يخفى أن هذا لا يناسب هنا إذ الاستجابة ليس لها مراتب أقوى بعضها من بعض بخلاف اللعن فإنه من جنس العذاب على أن الراجح كون المعنى أن منتهى أمد اللعن يوم الدين فإنه يناسب أيام التكليف كما نبه عليه المص هناك أولا والقول بأن لهم عذابا شديدا في يوم القيامة ضعيف لأنه ليس من نوع نفي الاستجابة حتى يقال إن مفهوم الغاية معتبر بالاتفاق لكن عندنا بطريق الإشارة وعند الشافعي بمفهوم المخالفة ومقتضاه هنا كون يوم القيامة غاية لنفي الاستجابة وينتهي النفي عنده ويتحقق الاستجابة فيه مع أنه ليس كذلك لما عرفت أن وقت الاستجابة الدنيا فلا مفهوم الغاية وله نظائر كثيرة . قوله : ( لأنهم إما جمادات ) فحينئذ التعبير بمن لعبادة الكفرة إياها والعبادة للعقلاء ولما فعل لها فعل العقلاء أجريت مجرى العقلاء . قوله : إما جمادات وإما عباد مسخرون مشتغلون بأحوالهم أي لأن ما يعبدونه من دون اللّه إما
--> ( 1 ) فيه إشارة إلى أن يدعون في معناه الحقيقي وقد نبه على أنه بمعنى العبادة بقوله تركوا عبادة السميع الخ فهو إما إشارة إلى جواز إرادة أحدهما على سبيل البدل أو إشارة إلى جواز الجمع بين الحقيقي والمجازي معا كما هو مذهبه ولا تغفل . ( 2 ) هذا إشارة إلى أن الغاية غير داخلة في حكم المغيا .