اسماعيل بن محمد القونوي

386

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

فأسر أي فقال اللّه تعالى لموسى أسر بعبادي فعلم سيره عليه السّلام بطريق الاقتضاء . قوله : ( وقرىء بوصل الهمزة من سرى ) فيكون متعديا بالياء الإسراء سير الليل خاصة فقوله ليلا يقطع مجاز السير خفيه كما أن قوله تعالى : يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [ الأنعام : 38 ] بعد قوله : وَلا طائِرٍ [ الأنعام : 38 ] يقطع مجازا للسير السريع وهذا مراد من قال إن ذلك الليل محمول على التجريد أو مراده التأكيد بلا تجريد فالإسراء والسير بمعنى واحد إلا أن السير عام والإسراء خاص فيكون الباء للتعدية فيه أيضا وتنكير ليلا للبعضية فإنه كما يجيء لبعض الأفراد يجيء لبعض الأجزاء أيضا والباء التي للتعدية تفيد الاستصحاب فيفيد سيره عليه السّلام وسير قومه معه إذ الامتثال مقطوع به . قوله : ( يتبعكم فرعون وجنوده إذا علموا بخروجكم ) يتبعكم أي اسم المفعول بمعنى المضارع والجملة تعليل للأمر بالإسراء وبيان حكمته المترتبة عليه إذا علموا بخروجكم أي من مصر ولما كان السير مستلزما للخروج من مصر قال إذا علموا بخروجكم ولم يقل إذا علموا سيركم لأن المعلوم لهم أولا هو الخروج واترك البحر وفيه ايجاز الحذف بأكثر من جملة كما علم من سورة الشعراء أي فسار موسى وقومه معه ولما علم فرعون ذلك أرسل في المدائن حاشرين فتبعهم جم كثير فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [ الشعراء : 61 ] فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ [ الشعراء : 62 ] فَانْفَلَقَ [ الشعراء : 62 ] وقلنا له وَاتْرُكِ الْبَحْرَ وهو ليدخله القبطي وقد مر مرارا أنه قد يقع الايجاز في قصص الأنبياء وحكاية الأعداء في بعض المواضع وقد يقع التفصيل في بعض آخر وقد يخالف لفظا لكنه مطابق معنى فلا تغفل قطعا قوله يتبعكم الخ إشارة إلى أن الجملة مستأنفة تجري مجرى العلة للأمر كما مر توضيحه . قوله تعالى : [ سورة الدخان ( 44 ) : آية 24 ] وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ( 24 ) قوله : ( مفتوحا ذا فجوة واسعة ) إشارة إلى أن رهوا بمعنى الفجوة الواسعة ويلزمه كونه مفتوحا أو إشارة إلى أن الرهو مصدر بمعنى الفتح فهو مأول بالمفتوح أو فيه مضاف محذوف قوله ذا فجوة واسعة يلزم كونه مفتوحا إذا البحر ينبئ عن السعة . قوله : ( أو ساكنا على هيئته بعدما جاوزته ) أو ساكنا أي الرهو يجيء بمعنى السكون أيضا على أنه مصدر بمعنى اسم الفاعل أو بمعنى ساكنا على أنه صفة مشبهة بوزن شكس فح لا حاجة إلى تقدير المضاف وهو ذا قوله تعد ما جاوزته وجاوز معك قومك . قوله : ( ولا تضربه بعصاك ولا تغير منه شيئا ليدخله القبط ) قيل كان موسى عليه السّلام يقصد بضربه ليعود إلى ما كان عليه فلا يتبعه قبطي وهو عطف على اترك وهو عطف تفسير له ولا يخفى عليك أنه إنما يتم إذا كان الوحي بعد مجاوزته عليه البحر مع أن قوله بعد ما جاوزته يشعر بأن الأمر قبل المجاوزة إلا أن يقال إنه متوقع منه . قوله : مفتوحا ذا فجوة قال الجوهري الفجوة هي الفرجة المتسعة بين الشيئين .