اسماعيل بن محمد القونوي
357
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بل المراد نفيهما على أبلغ الوجوه كقوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] غير أن لو ثمة مشعرة بانتفاء الطرفين وإن هنا لا تشعر به ولا نقيضه فإنها لمجرد الشرطية بل الانتفاء معلوم لانتفاء اللازم الدال على انتفاء ملزومه ) ولا يلزم من ذلك الجواب سؤال مقدر منشأ السؤال كلمة أن لأنه مستعمل فيما لا قطع بوجود الشرط وعدمه بخلاف كلمة لو فإنها مختصة بفرض المحال فيوهم صحة كينونة الولد وجواز العبادة فأجاب بأن المحال يستلزم المحال فمنع كون أن مستعملا في المذكور على الإطلاق وأنه قد تستعمل بمعنى لو لغرض قد فصل في علم المعاني فأشار إليه بقوله إذ المحال الخ ثم أكد الإشارة بقوله كقوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] كقوله تعالى : فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ [ البقرة : 137 ] الآية وحاصله أن المحال هنا ينزل منزلة ما لا قطع بعدمه على سبيل المساهلة وإرخاء العنان لأجل التبكيت فمن هذا يصح استعمال أن فيه ومنه قوله تعالى : قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ [ الزخرف : 81 ] كذا في المطول وأشار المصنف إلى ذلك بقوله غير أن لو ثمة مشعرة الخ إشارة إلى الفرق بين لو وإن في الآيتين مع أن المراد واحد وهو الاستدلال بنفي قوله : بل المراد نفيهما على أبلغ الوجوه وجه كون نفيهما بهذا الطريق أبلغ أن هذا نفي بطريق برهاني فإنه صورة قياس استثنائي طويت فيه المقدمة الاستثنائية التي هي لكني لست بعابد له فينتج نقيض المقدم وهو ليس للرحمن ولد قال صاحب الكشاف ونظيره قول العدلي للمجير ان كان اللّه خالقا للكفر في القلوب ومعذبا عليه عذابا سرمدا فأنا أول من يقول هو شيطان وليس بإله قال صاحب الانتصاف لقد اقتحم صاحب الكشاف عظيما في تمثيله فيقال له قد ثبت عقلا وشرعا أنه خالق لذلك في القلوب قال تعالى ( لا خالق إلا هو ) هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [ فاطر : 3 ] اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ * فيلزمه لفرط أدبه أن يلحد في اللّه إلحادا لم يسبق إليه حد وقيل قوله هذا يضاهي قول الكفرة اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ الأنفال : 32 ] فهلا قال عفا اللّه عنه إن كان اللّه عز وجل خالقا للكفر في القلوب ومعذبا عليه فهو الحاكم له الملك يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد قال الطيبي بل يقول إن كان اللّه خالقا للكفر فإنا أول من يستجير به منه ويتبع سنة نبيه محمد صلوات اللّه عليه على ما رواه أبو داود والترمذي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول في آخر وتره اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك أعوذ بك منك وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال نعوذ باللّه من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء . قوله : غير أن لو ثمة مشعر بانتفاء الطرفين لأن لو موضوعة لانتفاء الثاني لانتفاء الأول ولا كذلك كلمة أن فإنها موضوعة للشرط وإن الثاني لازم للمقدم لا دلالة وضعا على انتفاء الطرفين وثبوتهما بل انتفاء اللازم هنا مستفاد من طريق المشاهدة لا من دلالة الحرف فاستفيد من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم بدلالة العقل لأن انتفاء اللازم مستلزم لانتفاء الملزوم قال صاحب الكواشي وهذا غاية التوحيد والطاعة لأنه قد ثبت أن لا ولد له تعالى فانتفت عبادته لانتفائه وفيه إيماء إلى الانصاف في الجدال .