اسماعيل بن محمد القونوي

330

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وصف الكل بالكبر للقرينة المذكورة فلا محذور أصلا ولو قيل إن المعنى أن كل واحدة واحدة منها أكبر من مثلها بحسب الواقع والمراد منه وصف الكل بالكبر كناية لم يبعد قوله طويل النجاد صحيح مع أنه لا نجاد أصلا في الواقع فلا يكون كاذبا وهذا مستعمل في المحاورات حيث يقال كل واحد من زيد وعمرو فائق على الآخر والمراد بيان كمالهما وإن كمالهما متساو ولا ينافيه قوله تعالى : فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى [ النازعات : 20 ] أي العصا أو اليد البيضاء فإن المراد هناك الحقيقة وهنا الكناية فلا محذور . قوله : ( والمراد وصف الكل بالكبر كقولك رأيت رجالا بعضهم أفضل من بعض ) أي كلهم زيادة في الفضل والكمال كناية كما أوضحناه لكن في هذا القول يمكن إرادة حقيقته قال اللّه تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [ البقرة : 253 ] بأن يراد بالبعض أشخاص غير البعض الآخر ولا يمكن هذا في النظم الجليل قد عرفت أن المراد بالأخت المثل مجازا في أصل الدلالة على النبوة وإن كانت متفاوتة في القوة والضعف بالنسبة أو في التقدم والتأخر . قوله : ( وكقوله : من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم * مثل النجوم التي يسري بها الساري ) من بيت الحماسة من تلق منهم تقل جواب من لاقيت سيدهم أفاد الشاعر أن كلا منهم سيدهم فلزم كون الشخص الواحد سيدا متبوعا وحقيرا تابعا ويلزم أيضا سيادته على نفسه والجواب وصف الكل بالسيادة كناية للقرينة والمراد بإيراد البيت بعد قوله كقولك رأيت رجالا الخ الاستشهاد على ما حمل عليه النظم الكريم . قوله : ( أو إلا وهي مختصة بنوع من الإعجاز مفضلة على غيرها بذلك الاعتبار ) منها في حالة واحدة فإن ظاهر الآية يفيد أن كل واحدة من الآيات أكبر من كل واحدة منها فنسبة قوله أكبر من أختها إلى نفس الأمر توجب التناقض قوله والمراد وصف الكل بالكبر أي وصف الكل بالكبر على وجه المبالغة وإلا فالجميع سواء في الكبر . قوله : كقولك رأيت رجالا بعضهم أفضل من بعض فإنه يفيد أن كلهم فاضلون لكن بعضهم أزيد في الفضل من بعض وتشبيه ما في الآية به في مجرد افادته وصف الكل بالفضل لا في ايهام التناقض لأن النكرة في الآية واقعة في حيز النفي على طريق القصر فينشأ منه ايهام التناقض ولا كذلك قولك رأيت رجالا بعضهم أفضل من بعض لأنه اثبات لا نفي ولا فيه أداة قصر قال صاحب الانتصاف الظاهر أن الذي يسوغ هذا الاطلاق أن كل آية أفردت استغرقت عظمتها الفكر وبهرته حتى يجزم أنها هي النهاية وأن كل آية دونها فإذا نقل الفكر إلى الأدنى كانت كذلك وحاصله أن لا يقدر الكفر أن يجمع بين آيتين لتميز الفاضلة من المفضولة وقال صاحب الفرائد نحوه قوله تعالى : وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [ الصافات : 147 ] فإن الناظر إذ نظر إلى آية ظهرت بعد أخرى يقول هي أكبر من أختها لكون كل واحدة في غاية من الكمال والقدرة . قوله : أو إلا وهي مختصة بنوع من الاعجاز هذا التأويل بالنظر إلى الأكبرية في نفس الأمر ويرتفع التناقض بصرف الاختلاف إلى الاختلاف في الجهة .