اسماعيل بن محمد القونوي

314

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( فإن الرسالة منصب عظيم لا يليق إلا بعظيم ) تعليل لقولهم لولا نزل أي فإن الرسالة على تسليم كون البشر رسولا منصب عظيم . قوله : ( ولم يعلموا أنها رتبة عظيمة روحانية تستدعي عظم النفس بالتحلي بالفضائل والكمالات القدسية لا التزخرف بالزخارف الدنيوية ) ولم يعلموا أي أنهم أصابوا في ذلك الدعوى من وجه واخطاؤا من وجه آخر فإن قولهم فإن الرسالة منصب عظيم حق لكن قولهم لا يليق إلا بعظيم بالجاه والمال خطأ وصوابه لا يليق إلا بعظيم النفس بالتحلي بالفضائل الخ وإن اللّه تعالى خلقه عليه السّلام على تلك الصفة لعلمه بأنه سيكرمه بالرسالة وفي سورة الأنعام قال تعالى : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [ الأنعام : 124 ] وقد مر البيان هناك . قوله تعالى : [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 32 ] أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 32 ) قوله : ( إنكار فيه تجهيل وتعجيب من تحكمهم ) أي إنكار كونهم قاسمين لا إنكار القسمة ولذا قدم ضميرهم على يقسمون أشار إليه بقوله فيه تجهيل وتعجيب من تحكمهم مع أنهم ليسوا أهلا له فالإنكار متوجه إلى كونهم قاسمين لا نفس الفعل وإليه أشار بقوله نحن قسمنا بينهم فإنه يفهم بطريق الأولوية أن قسمة النبوة له تعالى . قوله : ( والمراد بالرحمة النبوة ) بقرينة ذكرها عقيب حكاية قولهم : لَوْ لا نُزِّلَ [ الزخرف : 31 ] الآية ولو أريد بها النبوة بخصوصها يكون الرحمة مجازا فيه بطريق ذكر العام وإرادة الخاص وأن أريد بها الرحمة مطلقا فإطلاقها على النبوة لكونها من إفراد الرحمة فلا يكون مجازا والمراد بالقسمة التحكيم كما أشار إليه بقوله فيه تجهيل وتعجيب من تحكمهم إذ معنى القسمة هنا غير ظاهر والتعبير بالقسمة لأنهم يرددون بين الرجلين وهو يشبه التقسيم أو للمشاكلة لقوله : نَحْنُ قَسَمْنا [ الزخرف : 32 ] تقديم نحن للحصر بخلاف هم فإنه للاهتمام دون الحصر فإنه يوهم أن الإنكار متوجه إلى القصر وهو ليس بصحيح إلا أن يقال الكلام لحصر الإنكار لا لإنكار الحصر بملاحظة الإنكار أولا ثم الحصر ثانيا دون العكس . قوله : ( وهم عاجزون عن تدبيرها وهي خويصة أمرهم في دنياهم ) إشارة إلى القصر المستفاد من تقديم المبتدأ على الخبر الفعلي قوله عن تدبيرها فلا ينافي الكسب إذ المراد بتدبيرها النظر في عاقبتها والعمل على مقتضاها قوله خويصة تصغير خاصة بتشديد الصاد المهملة المراد من التصغير التحقير لأن أمور الدنيا لا تساوي عند اللّه تعالى جناح بعوضة فتكون أحقر من كل حقير . قوله : ( فمن أين لهم أن يتدبروا أمر النبوة التي هي أعلى المراتب الإنسية ) وهو إنكار لذلك وفيه تنبيه على أن قوله : نَحْنُ قَسَمْنا [ الزخرف : 32 ] استدلال بأن لا نصيب لهم