اسماعيل بن محمد القونوي

266

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( فيفعل ما يفعل بحكمة واختيار ) إشارة إلى مناسبة آخر الكلام بأوله والتأكيد لكمال العناية بمضمون الجملة قوله بحكمة إشارة إلى قوله عَلِيمٌ [ الشورى : 50 ] لكن الأولى ما يفعل بعلم إذ العلم خارج عن مفهوم الحكمة كما صرح به في سورة البقرة في قوله تعالى : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [ البقرة : 32 ] قوله واختيار إشارة إلى قدير على طريق اللف والنشر المرتب . قوله تعالى : * [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 51 ] وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 51 ) قوله : ( وما صح له ) أي وما أمكن له وما كان كذا يستعمل تارة بمعنى ما حسن وتارة بمعنى ما صح وما أمكن كما مر مرارا والمراد هنا نفي الصحة والإمكان أي وما صح لفرد من أفراد البشر وكان بمعنى التامة وفاعله أن يكلمه اللّه بوجه من الوجوه إلا وحيا إلا بأن يوحى إليه فوحيا منصوب بنزع الخافضية أو منتصب بالمصدر كما سيجيء . قوله : ( كلاما خفيا ) أي المراد بالوحي هنا الكلام الخفي بقرينة قوله : أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ [ الشورى : 51 ] وإلا فالكلام ليس بشرط في الوحي فإنه إما وحي جلي أو خفي والأول له أقسام ثلاثة كما فصل في فن الأصول الأول ما ثبت بلسان الملك فوقع في سمعه بعد علمه بالمبلغ بآية قاطعة والقرآن من هذا القبيل والثاني ما وضح له عليه السّلام بإشارة الملك من غير بيان بالكلام والثالث ما يبتدي لقلبه عليه السلام بلا شبهة بإلهام اللّه تعالى بأن أراد بنور من عنده والأخيران وحي وليس بكلام . قوله : ( يدرك بسرعة لأنه تمثل ليس في ذاته مركبا من حروف مقطعة تتوقف على تموجات متعاقبة ) لأنه تمثل « 1 » أي المراد به تصوير المعنى وتعيينه في ذهن السامع وليس مثل كلامنا حتى يحتاج إلى صوت وترتيب حروف ليكون خفيا سريعا كما نشاهده في الكلام النفسي الملحوظ في أذهاننا والمراد التشبيه في كونه مدركا بسرعة وإلا فالمراد قوله : لأنه تمثل ليس في ذاته مركبا تعليل لكون الوحي مدركا بسرعة أي يدرك ذلك الكلام الموحى بسرعة لأن إدراكه إنما هو بطريق التمثل فإنه يكون بسبب تمثل صورة الكلام في جميع أعضاء من أوحى إليه لا يختص إدراكه بعضو دون عضو ولا بجهة دون جهة بل يدرك بجميع الأعضاء ومن جميع الجهات لا بسبب تموج الهواء المتكيف بكيفية الحروف المقطعة الخارجة عن مخارجها الموصل لتلك الكيفيات إلى الصماخ متعاقبة حرفا بعد حرف حتى يحتاج ادراك بعضها إلى انقضاء بعض وانصرامه على التعاقب الموجب لبطء الإدراك فإذا كان إدراكه بطريق التمثل يكون بسرعة وإن كان كلاما طويلا وعليه ما روي عن بعض خوص عباد اللّه تعالى أنه تلافي مقدار لمحة الف ختمة فإن ذلك لا يمكن إلا على ذلك الطريق .

--> ( 1 ) تعليل لكونه خفيا لا لقوله يدرك بسرعة .