اسماعيل بن محمد القونوي
232
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بختمه لكن لم يقع المشيئة ولا الختم بل شاء انشراحه وملأه حكمة وعلما ومثل هذا لا يجترىء على الافتراء وللإشارة إلى ذلك قال استبعاد للافتراء الخم هذا من قبيل الاكتفاء بالأدنى وإلا فالظاهر أن يقال بيان استحالة الافتراء عن مثله قوله عن مثله أي عنه كناية . قوله : ( بالإشعار على أنه إنما يجترىء عليه من كان مختوما على قلبه جاهلا بربه ) فيه تعريض بهم حيث تجاسروا على هذا القول الذي هو أشنع الافتراء لكونهم مختومين على قلوبهم . قوله : ( فأما من كان ذا بصيرة ومعرفة فلا وكأنه قال إن يشأ اللّه خذلانك يختم على قلبك ليجترىء بالافتراء عليه ) وهذا حاصل المعنى وإلا فالظاهر إن يشأ اللّه الختم على قلبك فإن قيل مشيئة الختم مقطوع بعدم وقوعها فكان المقام مقام لو دون إن لأن استعمالها فيما لا يقطع بوجوده ولا بعدمه أجيب بأنه قد يورد كلمة إن في مثله على سبيل المساهلة ورخاء العنان كقوله تعالى : قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ [ الزخرف : 81 ] الآية ومثل قوله تعالى : فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ [ البقرة : 137 ] الآية ولما كان قوله أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ * مستلزما بأنهم مختومون على قلوبهم ولذا اجترؤوا على هذا القول الذي هو أقبح الكذبات والافتراء فرع عليه قوله : فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ [ الشورى : 24 ] باعتبار لازمه كأنه قيل وإذا كان قولهم هذا لكونهم مطبوعي القلوب فإن يشأ اللّه يختم على قلبك فتجترىء على الافتراء على اللّه مثل جسارتهم على ذلك فالتفريع على ما قبله واضح جلي وقد استصعبوا ذلك التفريع وتمحلوا في توجيهه حتى قال بعضهم فعليك بإمعان النظر فإن هذه الآية في أصعب ما مر بي في كلام العظيم وفقنا اللّه لفهم معانيه انتهى وهذا عجب لأن تفريع هذا على ما قبله باعتبار ما فهم من المعنى أظهر من أن يخفى ونظائره كثيرة في الكلام العظيم . قوله : ( وقيل يختم على قلبك بمسك القرآن والوحي عنه ) هو من أمسكه إذا حسبه وفي بعض النسخ ننسك من النسيان وهو الموافق بما فسر به قتادة ننسك القرآن ونقطع الوحي عنك فتعديته بعن لتضمنه معنى القطع فحينئذ ضمير عنه راجع إلى القلب ويحتمل الالتفات ووجه التفريع على هذا هو أنه لو افترى على اللّه الكذب « 1 » لختم على قلبه بإمساك القرآن بأن لا ينزل عليه أو بإنسائه فوضع فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ موضع فإن افترى لأنه سبب لمشيئة ذلك . قوله : ( أو يربط عليه بالصبر فلا يشق عليك إذا هم ) أو يربط عطف على يمسك قوله بالصبر هو معنى الربط على القلب كما بين في محله والمراد به أن لا يشق عليه ذلك وقد شق عليه وتأذى به غاية التأذي حتى قيل له : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ [ الشعراء : 3 ] لغيرته للّه تعالى وتكثير ثوابه بأنواع المجاهدة كذا قيل أخره لبعده عن المرام إذ المرام استشهاد على بطلان ما قالوا ببيان أنه عليه السّلام لو افترى على اللّه تعالى لمنعه عن ذلك كما في الوجه
--> ( 1 ) هذا الشرط سبب لاختيار الجزاء كقوله تعالى : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ النحل : 53 ] .