اسماعيل بن محمد القونوي
220
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
من الحق ضد الباطل وقيد به مع ظهوره تصريحا بأنه حجة ثابتة صادقة خلاف ما أبرزه المعاندون فهذه الجملة مسوق لبيان قوله لا حجة أي لا حجاج إذ الحق ظهر بإنزال الكتب كما أن الجملة الأولى سيقت لبيان مكابرتهم بعد ظهور الحق قدمت أولا لمبادرته إلى بيان بطلانها وترك العطف لكمال الانقطاع وتباين الغرضين . قوله : ( أو بما يحق إنزاله من العقائد والأحكام ) أي يلزم فعلي هذا الحق بمعنى الواجب واللازم دون مقابل الباطل وإن استلزمه قوله والأحكام أي الأحكام « 1 » العملية بقرينة مقابلة العقائد . قوله : ( والشرع الذي يوزن به الحقوق ويسوي بين الناس أو العدل بأن أنزل الأمر به ) والشرع فيكون الميزان بمعنى ما يوزن به الشيء وهو معنى لغوي له أو يكون استعارة إن أريد به آلة الوزن تشبيها للمعقول بالمحسوس فح يكون عطف الخاص على العام على الوجه الأخير في بالحق إن أريد بالشرع الفروع وإن أريد مطلق الأحكام فالعطف للتغاير الاعتباري فلا يلزم عطف الشيء على نفسه ولعل لهذا التكلف أخر هذا الوجه ورجح كون الحق بمقابل الباطل قوله ويسوي بين الناس كما يسوي المقادير وكذا الكلام في العدل فإن الميزان استعارة له وهو إما ضد الجور والظلم « 2 » والتوسط بين الأمور أي في العقائد وفي الأخلاق والأعمال قوله بأن أنزل الأمر به فيكون الايقاع مجازيا « 3 » إذ العدل بأي معنى كان لا يوصف بالإنزال . قوله : ( أو آلة الوزن بأن أوحى بأعدادها ) فالميزان بمعناه الحقيقي الاصطلاحي قوله أوحى بأعدادها فالإنزال أيضا مجاز عن الايحاء فهو وإن كان من قبيل الأجسام يصح إطلاق الإنزال لكنه ليس منزلا من السماء والقول بأنه أنزل من السماء حقيقة بعيد يحتاج إلى نقل سديد « 4 » وأبعد منه ما قيل إنه ميزان الأعمال . قوله : ( إتيانها ) إذ الموصوف بالقرب إتيانها لا نفسها ولهذا السر جعل قريب مذكرا أو المراد بإتيانها وقوعها وحصولها إذ الإتيان من خواص الأجسام فالإتيان استعارة مصرحة . قوله : ( فاتبع الكتاب واعمل بالشرع وواظب على العدل قبل أن يفجأك اليوم الذي يوزن فيه أعمالك ويوفي جزاؤك وقيل تذكير القريب لأنه بمعنى ذات قرب أو لأن قوله : تذكير القريب لأنه بمعنى مقتضى القياس أن يقال قريبة لأنه مسند إلى ضمير الساعة
--> ( 1 ) أي الأحكام العملية فتكون كل واحدة من الفروع حقا لازما بالإضافة إلى زمانها كما فصل المصنف في قوله تعالى : وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ [ البقرة : 41 ] الخ . ( 2 ) قال في سورة الحديد وأنزال العدل ليقام به السياسة ويدفع به الأعداء إذ الظلم يفضي إلى هجوم الأعداء فالظاهر أن المراد به ضد الظلم . ( 3 ) وهذا أولى مما ذكره السعدي . ( 4 ) وقد جوز كونه منزلا من السماء إلى نوح عليه السّلام ولم يلتفت هنا إليه لكون الرواية غير قوية عنده .