اسماعيل بن محمد القونوي

183

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وهذا أيضا من فرط دهشتهم فإنهم يعلمون أنه لا يفيد قال تعالى : وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا [ البقرة : 167 ] الآية فيتمنون الرجوع إلى الدنيا والتبرء منهم ليفيد لهم ذلك فعلم أن تبرأهم لما عاينوا الحال لا يفيد وأنهم يعلمون ذلك لكن اضطراب الحال يؤدي إلى مثل هذا المقال . قوله : ( فيكون السؤال عنهم للتوبيخ ) أي إذا كان المراد بنفي الشهادة والإقرار التبرء منهم وأنهم اعلموه أو أخبروه تعالى بذلك التبرأ فالسؤال عنهم للتوبيخ أي لتكرير التوبيخ وتأكيده والمقصود دفع ما يقال ما وجه السؤال بعد سبق الايذان فيما مضى عن الزمان بأنه ليس بسؤال حقيقة وهذا من المص توجيه بحسب الظاهر وإلا فقد مر تحقيقه أن هذا القول بناء على فرط الدهشة كقولهم : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] ولك أن تقول قوله آذاناك إنشاء الإخبار وبعد الكلام لا يخلو عن كدر لأن السؤال للتوبيخ على كل حال سواء سبق الايذان أو لا فلا وجه لما قال لأنه يفهم منه أن السؤال لو كان بدون سبق الايذان لا يكون للتوبيخ وليس كذلك وما ذكره مذكور في الكشاف مع زيادة ولا يعرف وجهه إذ السؤال من اللّه الملك المتعال ليس بسؤال حقيقة بل مجاز عن معنى يناسب المقام وهنا المناسب التوبيخ سواء كان مسبوقا بالسؤال والجواب أولا وينصر ما قلنا إنهم صرحوا كون السؤال للتقريع في مثل هذا القول مع عدم ذكر قولهم آذناك الخ . قوله : ( أو من أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنا ) أي شهيد من الشهود لا من الشهادة كما في الأول لأنهم ضلوا أي غابوا فلا نعرف مكانهم أو ضل شفاعتهم عنا فكأنا لم نشاهدهم وإن كانوا حاضرين والأول هو المناسب للمرام فالسؤال حينئذ للتوبيخ أيضا غاية الأمر أنهم تصدوا الجواب عن السؤال فكأنهم حملوا السؤال على ظاهره ولعل هذا مراد الشيخين بما ذكرا من أن السؤال ح للتوبيخ وأما في غير ذلك فعلى ظاهره بحسب زعمهم قيل فعلى هذا يكون آذاناك إنشاء والإعلام بمعنى العلم وقد عرفت أنه إنشاء في الأول أيضا وإن لم يتعين له قوله والإعلام بمعنى العلم إن أراد به على زعمهم فراجع إلى ما ذكرناه في الاحتمال الأول من أنهم لكمال حيرتهم يظنون أنهم أعلمهم به تعالى فيجوز هنا وهناك وإن أراد به ظاهره ففساده ظاهر اخره لأن كون الشهيد بمعنى الشهادة شائع متبادر وأيضا عدم الشهود على تقديره مأول كما عرفته . قوله : ( وقيل هو قول الشركاء أي ما منا من يشهد لهم بأنهم كانوا محقين ) هو قول الشركاء إما حقيقة بإنطاق اللّه تعالى إياهم أو القول بلسان الحال أو المراد بالشركاء غير قوله : وقيل هو تهكم قول الشركاء فإن قلت فعلى هذا التفسير ما معنى قوله وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ من قبل وضل هنا إما بمعنى ضاع وهلك أو بمعنى غاب وإذا كان المجيبون هؤلاء الشركاء كانوا موجودين عندهم حاضرين فكيف يصبح معنى الضياع أو الغيبوبة قلنا إن ضل على هذا بمعنى ضاع وهلك المعنى أن الشركاء حينئذ لا ينفقون العبدة والشافع الذي لا ينفع شهادة كالمعدوم ولذلك قال رحمه اللّه في تفسير قوله وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ لا ينفعهم