اسماعيل بن محمد القونوي

18

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( واستغفارهم شفاعتهم وحملهم على التوبة وإلهامهم ما يوجب المغفرة ) لما كان الاستغفار وهو طلب المغفرة من المذنبين حقيقة حاول التأويل بأن المراد باستغفارهم شفاعتهم أن جعل قوله : رَبَّنا وَسِعْتَ [ غافر : 7 ] الخ بيانا قوله وحملهم على التوبة أن جعل حالا والحالية تنتظم الشفاعة أيضا بخلاف البيان حيث يخصها انتهى والأولى أنهما عامان فيهما والشفاعة الدعاء بالمغفرة والثاني الدعاء بالتوفيق على التوبة الأول للأموات والأحياء والثاني للأحياء فقط قوله والهامهم بما يوجب المغفرة عطف تفسير للحمل على التوبة والتعبير بالايجاب بناء على الوعد فإنه تعالى وعد قبول التوبة إذا قارنت شروطها وخلف الوعد محال فيجب لغيره فقوله بما يوجب الخ تنبيهه على أن دعاءهم بالحمل على التوبة الجامعة للشروط فإنها تنفعهم فقط . قوله : ( وفيه تنبيه على أن المشاركة في الإيمان توجب النصح والشفقة وإن تخالفت الأجناس لأنها أقوى المناسبات كما قال : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [ الحجرات : 10 ] ) ففيه ترغيب للمؤمنين على الدعاء بمغفرة أخيهم المسلم والشفقة عليه والنصح للّه ولكتابه . قوله : ( أي يقولون ربنا وهو بيان ليستغفرون أو حال ) تقدير القول لا بد منه للارتباط وهو بيان ولذا ترك العطف والمراد بيان التفسير أو حال في قوة البيان « 1 » . قوله : ( أي وسعت رحمتك وعلمك فأزيل عن أصله للإغراق في وصفه بالرحمة والعلم والمبالغة في عمومهما وتقديم الرحمة ) أي وسعت رحمتك فائدة الخبر تمهيد لقوله فاغفر ولذا جيء بالفاء وفيه إشارة إلى أنه تمييز محول عن الفاعل ليفيد الإغراق في وصفه قوله : فأزيل عن أصله للاغراق في وصفه بالرحمة والعلم والمبالغة في عمومها أما الإغراق في وصفه بالرحمة والعلم فلإشعاره بأن ذاته تعالى كأنه عين رحمة وعلم واسعين كل شيء وأما المبالغة في العموم فمستفاد من جعل ما حقه فاعلا لوسعت تمييزا كما في اشتعل بيتي نارا واشتعل رأسي شيبا فإن فيهما من المبالغة في شمول الاشتعال لجميع البيت وشمول الشيب لجميع الرأس ما ليس في اشتعل النار في بيتي واشتعل شيب رأسي وفي الكشاف الرحمة والعلم هما اللذان وسعا كل شيء في المعنى والأصل وسع كل شيء رحمتك وعلمك ولكن أزيل الكلام عن أصله بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم وأخرجا منصوبين على التمييز للإغراق في وصفه بالرحمة والعلم كأن ذاته رحمة وعلم واسعان كل شيء تم كلامه وإنما قال القاضي والمبالغة في عمومها لأن أصل العموم حاصل بلفظ كل والتمييز يفيد المبالغة في ذلك العموم قال الطيبي وعليه ما روينا عن مسلم عن سلمان الفارسي قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم : إن اللّه خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض فجعل منها رحمة واحدة فيها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة وإلى هذا المعنى ينظر ما جاء في سورة الشورى وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [ الشورى : 5 ] فإن الاستغفار فيها محمول على عموم المجاز

--> ( 1 ) يعني في مقام الاستغفار وإلا فالعلم مقدم ذاتا إذ الرحمة لمن علم أنه مستحقا بالرحمة .