اسماعيل بن محمد القونوي
167
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الأربعة في صيغة واحدة ومعلوم بالبديهة أن الليل والنهار لا إدراك لهما قطعا ولا يستحقان العبادة جزما فكذا الشمس والقمر وللتنبيه على ذلك جمعها في ضمير واحد فعلم منه أن عدم استحقاقهم للعبادة لكونها غير مدركة مع كونها مخلوقة وأصل السبب كونها مخلوقة والتعرض لعدم إدراكها لمزيد تقبيح عابديها فلا مفهوم « 1 » وتأنيث القمر للتنبيه أيضا على أنها في حكم الإناث العجزة وفيه مزيد تشنيع لعابديهما . قوله : ( فإن السجود أخص العبادات ) تعليل لقوله : وَما كُنْتُمْ [ فصلت : 22 ] الخ أي فإن السجود من بين المبرات أخص العبادات به فإنه لم يعبد به أحد سواه تعالى وعن هذا علق حصول مطلق العبادات بالسجود وأما القيام فقد يتذلل به غيره تعالى والركوع في حكم القيام شرعا إذ العبادة التذلل وغايته والسجود كماله فلذا يختص به تعالى . قوله : ( وهو موضع السجود عندنا لاقتران الأمر به وعند أبي حنيفة آخر الآية الأخرى لأنه تمام المعنى ) وهو أي قوله تعبدون موضع السجود للتلاوة عند الشافعي قيل في أحد قوليه فلذا قال وعند أبي حنيفة وفي أحد قولي الشافعي عند قوله لا يسأمون لأنه تمام المعنى أي لأنه به يتم المعنى على أن تأخير السجود جائز بالاتفاق بخلاف تقديمه على محله فمحل الاختلاف أن من سجد في قراءة تعبدون يخرج عن العهدة عند الشافعي في أحد قوليه وعندنا لا يقع معتدا به وكذا عند الشافعي في قوله الآخر فلا جرم في أحسنية تأخيره إلى قوله وهم لا يسأمون . جاءت بل يجب أن يقال جاؤوا ولا يجوز أن يحمل على التغليب لأن المذكر يغلب على المؤنث دون العكس . قوله : وهو موضع السجود أي يسجد السامعون لهذه الآية عند قوله تعبدون عند الشافعي رحمه اللّه لاقتران الأمر بالسجود به لاشتراطه بقوله : إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [ فصلت : 37 ] والمعنى واسجدوا للّه إن خصصتموه بالعبادة وعند أبي حنيفة رحمه اللّه موضع السجود آخر الآية التالية لهذه الآية وهي : وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ [ فصلت : 38 ] لأنه من تمام معنى الآية الأولى لأن الشرطية الثانية وهي فإن استكبروا معطوفة بالفاء الدالة على الترتيب على الشرطية الأولى فلما كانت الثانية مرتبطة بالأولى من حيث المعنى رأى أبو حنيفة رحمه اللّه أن يسجد بعد تمام الثانية قال صاحب الروضة الأصح أنها عقيب يسأمون قال الطيبي ويمكن أن يقال تمام المعنى عند قوله : وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ [ فصلت : 37 ] لأنه حكم قد عقب الوصف المنسب وقوله : إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [ فصلت : 37 ] تتميم للمعنى وتفريع للغافلين وقوله : فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا [ فصلت : 38 ] تتميم غب تتميم وتسلية للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لكنه متضمن للذم على ترك السجود فإن قوله : فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا [ فصلت : 38 ] وضع موضع فإن لم يسجدوا إقامة للسبب مقام المسبب للعلية وأنت قد عرفت أن شرعية إيجاب السجدة إما للأمر بها أو المدح لمن أتى بها أو الذم لمن
--> ( 1 ) ولو أرجع الضمير اليهما فلا إشعار لذلك أي لكونهما في حكم الإناث لاستواء المذكر فيهما كذا قيل ولعل المراد بجعل الضمير مثنى أو الجمع ما فوق الواحد .