اسماعيل بن محمد القونوي
158
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( وثم لتراخيه عن الإقرار في الرتبة من حيث إنه مبدأ الاستقامة ) أي ثم هنا ليس للتراخي الحقيقي وهو الزماني بل للتراخي في الرتبة قوله من حيث إنه الخ بيان التراخي الرتبي لكنه ينتظم التراخي الزماني لكنه نظر إلى التراخي الرتبي تنبيها على شرافته قال المصنف في سورة هود والاستقامة شاملة « 1 » للاستقامة في العقائد كالتوسط بين التشبيه والتعطيل بحيث يبقى العقل مصونا من الطرفين والأعمال بالقيام بوظائف العبادات من غير تفريط وإفراط مفوت للحقوق ونحوها انتهى والاستقامة في الأخلاق وهي التوسط بين الإفراط والتفريط كالجود المتوسط بين الإسراف والبخل داخل في الاستقامة في العمل فتأمل . قوله : ( أو لأنها عسر قلما يتسع الإقرار ) لما عرفته من بيان الاستقامة وهي العدل المأمور به في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [ النحل : 90 ] الآية قيل لو قال عسرة لكان أحسن وإن أول بأمر عسر والمعطوف عليه أعلى مرتبة في الأول لأنه العمدة والموقوف عليه للعمل وصحته وفي الثاني عكسه لأن الاستقامة أصعب وأعظم إذ المراد بها الثبات « 2 » على الإقرار ومقتضاه وهي في غاية العسرة أي الاستقامة تعسر على كل أحد ولذلك قبل الدخول في الإسلام سهل في تحصيل المرام وأما الثبات على الأحكام والإسلام فصعب على جميع الأنام إلا من أيد بالمشاهدة القوية والقوة القدسية وعن هذا قالوا يجب على كل أحد معرفة الكفريات أقوى من معرفة الاعتقاديات فإن الثانية يكفي فيها الإيمان الإجمالي بخلاف الأولى فإنه يتعين فيه العلم التفصيلي كذا صرح به علي القاري في شرح بدر الرشيد ونقل عن الكشاف أنه قال المراد بالاستقامة الثبات على إقرار الربوبية ومقتضاه لأن من قال ربي اللّه اعترف أنه مالكه ومدبر أمره ومربيه وأنه عبد مربوب بين يدي مولاه فالثبات على مقتضاه أن لا يزل قدمه عن طريق العبودية قلبا وقالبا ويندرج فيه كل العبادات والاعتقادات ومثله كما سيأتي في الحجرات ثم لم يرتابوا وما نقلناه من المصنف أوضح من هذا وأوفر فائدة منه ما فصلناه وقد علم مما ذكر أن الوجه الثاني أقوى من الوجه الأول فلم أخره بل الاكتفاء به أولى كما فهم من الكشاف واكتفى صاحب الإرشاد بالثاني أيضا فلم ذكر الأول ورجحه فتأمل ثم لا تغفل ولقد أغرب الفاصل المحشي حيث فسر الوجه الأول بما ذكر في الوجه الثاني ثم زيف الوجه الثاني بأنه لا يناسب المقام إذ مقتضاه الترغيب في الاستقامة ولا يخفى عليك أن كون الاستقامة عسيرة لا ينافي الترغيب في الاستقامة بل يلائم الترغيب في بذل المجهود في تحصيلها أشار إليه بقوله قل ما يتبع الإقرار فإذا كان الأمر كذلك فليجتهدوا في الاتباع المذكور وفي ذلك فليتنافس المتنافسون
--> ( 1 ) وهنا خص الاستقامة بالعمل لمقابلة الاستقامة في العقائد لكن العمل شامل للأخلاق أيضا لأنها عمل القلب . ( 2 ) كما في الكشاف وظاهر عبارة المصنف أن المراد بالاستقامة الاستقامة في العمل أيضا ويرد عليه أنه ترك الوجه الراجح فالأولى حمل كلامه على أن مراده بها الثبات على الإقرار كما فصلناه .