اسماعيل بن محمد القونوي
129
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الاستيلاء مثل قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [ الأعراف : 54 ] والمراد القصد والإرادة إلى خلقها . قوله : ( والظاهر أن ثم لتفاوت ما بين الخلقين لا للتراخي في المدة ) الخلقين أي المخلوقين إذ شتان ما بين السماوات والأرضين وهذا بناء على أن خلق السماوات السبع مقدم على خلق الأرض وما فيها واختاره المصنف لأنه مقتضى ظاهر الآية المذكورة قال الفاضل السعدي ورد بأنه مخالف لا طباق أهل التفسير غير مقاتل أنه تم خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام ثم خلق السماوات وما فيها في يومين انتهى فثم في بابه . قوله : ( لقوله تعالى : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [ النازعات : 30 ] ودحوها متقدم على خلق الجبال من فوقها ) قيل معناه تذكروا الأرض أو ذروها واذكروها بعد ذلك حتى لا يخالف اطباق أكثر المفسرين قوله دحيها استئناف والبعدية للرتبية كذا قيل والكل تكلف فالحق أحق أن يتبع وقول الأكثرين ليس بحجة على المصنف لأنه متمسك بدليل وما ذكر قوله : والظاهر أن ثم لتفاوت ما بين الخلقين لا للتراخي في المدة لقوله وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها وجه تعليل كون كلمة ثم هنا للتراخي الرتبي لا الزماني بقوله : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [ النازعات : 30 ] إن تلك الآية دلت على أن خلق الرواسي بعد خلق السماء متأخر عنه لدلالته على أن خلق السماء مقدم على دحو الأرض والحال أن دحو الأرض مقدم على خلق الرواسي والمقدم على المقدم على الشيء مقدم على ذلك الشيء ولما دلت هذه الآية على أن خلق السماء متأخر عن خلق الرواسي وجب في تلفيق الآيتين أن يحمل ثم ههنا على تفاوت ما بين الخلقين في الرتبة لا في الزمان ترقيا من الأدنى إلى الأعلى لأن الكلام مع المتمردين المعاندين كما ترقى الخليل عليه السّلام مع قومه في الأخذ من الكوكب إلى القمر ثم إلى الشمس وختم الكلام بقوله : إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [ الأنعام : 78 ] ألا يرى أنه تعالى لما ختم الكلام قال فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [ فصلت : 13 ] والمعنى أنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض وفعل كذا وكذا وأعظم من ذلك أنه استوى أي قصد إلى خلق السماء وهي شيء حقير ظلماني كالدخان فقال لها وللأرض : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [ فصلت : 11 ] إلى آخره وفي قوله رحمه اللّه والظاهر إشعار بإمكان حملها على التراخي في المدة فوجهه أن يصرف معنى ثم إلى تأخر خلق السماء عن خلق الأرض فقط ولا يكون خلق الرواسي منظورا فيه في معنى ثم من قولهم استوى إلى مكان كذا قال الراغب المساواة المعادلة المعتبرة بالذرع والوزن والكيل وقد يعبر بالكيفية نحو هذا السواد مساو لذلك السواد وإن كان تحقيقه راجعا إلى اعتبار مكانه دون ذاته واستوى على وجهين بمعنى تساوى لقوله تعالى : لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ [ التوبة : 19 ] وبمعنى اعتدل الشيء في ذاته نحو قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] وقيل معناه استوى له ما في السماوات وما في الأرض أي استقام الكل على مراده بتسويته تعالى إياه كقوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ [ فصلت : 29 ] وإذا عدي بإلى فبمعنى الانتهاء إليه إما بالذات أو بالتدبير وعلى الثاني قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ [ فصلت : 11 ] والمساواة متعارفة في المثمنات يقال هذا الثوب يساوي كذا وأصله من المساواة في القدر قال تعالى : حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ [ الكهف : 96 ] .