اسماعيل بن محمد القونوي
17
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
وليس كذلك ولو سلم ذلك كما هو الظاهر من قوله وبناء الأمر الخ فمراده ما أسلفه آنفا من أن المغفرة وإن أمكنت لكن الذنب الخ وبعده القرينة القائمة على ظهور مراده لا وجه للإشكال عليه بمثل هذه المسامحة . قوله تعالى : [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 8 ] أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ( 8 ) قوله : ( وبناء للأمر كله على الإيمان والعمل الصالح وقوله : أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً [ فاطر : 8 ] تقرير له ) وبناء للأمر كله أي بناء أمر الآخرة كله من الثواب والعفو والرحمة على الإيمان والعمل الصالح أي على وجه الكمال بدلالة الأجر الكبير ولا يشوبه العتاب والوبال ويلزمه عدم كمال الأمر لمن ليس له عمل صالح مع كونه مؤمنا لا عدم الأمر له رأسا كقوله تعالى : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ البقرة : 5 ] فلا غبار في كلام المصنف ولا جرم أنه موافق لمذهب أهل الحق فظهر أن المراد بالأمر الأمر النافع وأما تعميمه إلى الأمر الضار بناء على أن المراد بالإيمان والعمل وجودا وعدما فلا طائل تحته ولا باعث لاعتباره قوله : الَّذِينَ كَفَرُوا [ فاطر : 7 ] إلى قوله : لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ [ فاطر : 7 ] لا باعث قوي له وإن كان قوله : أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ [ فاطر : 8 ] الآية باعثا له في الجملة كما يومي إليه قوله وقوله : أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ [ فاطر : 8 ] الخ تقرير له وهذا أبلغ من قوله : أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً [ السجدة : 18 ] ومن أمثاله . قوله : ( أي أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ [ فاطر : 8 ] ) والمزين في الحقيقة هو اللّه قوله : تقرير له أي تقرير للمذكور من الوعيد والوعد المدلول عليهما بالآيتين السابقتين وفي الكشاف لما ذكر الفريقين الذين كفروا والذين آمنوا قال لنبيه أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً [ فاطر : 8 ] يعني أفمن زين له سوء عمله من هذين الفريقين كمن لم يزين له فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لا فقال فإن اللّه يضل من يشاء ويهدي من يشاء فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [ فاطر : 8 ] يعني أن قوله : أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ [ فاطر : 8 ] من هذين الفريقين كمن لم يزين له جعل الآيتين من باب اللف والنشر وقال الطيبي الأحسن أن يجعل الآيات من الجمع والتقسيم والتفريق فقوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [ فاطر : 5 ] جمع الفريقين معا في حكم نداء الناس وقوله : الَّذِينَ كَفَرُوا وَالَّذِينَ آمَنُوا [ فاطر : 7 ] تقسيم بما لهما وما عليهما من الثواب والعقاب وأما التفريق فقوله : أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ [ فاطر : 8 ] لأنه فرق فيه وبين التفاوت بين الفريقين كما قال : أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ [ فاطر : 8 ] من هذين الفريقين كمن لم يزين له وظهر من هذا البيان أن الفاء في أفمن للتعقيب والهمزة الداخلة بين المعطوف والمعطوف عليه لإنكار المساواة وتقرير البون العظيم بين الفريقين وأن المختار من الوجوه المذكورة تقدير كمن هداه اللّه فحذف لدلالة يضل من يشاء يهدي من يشاء قال محيي السنة في الآية حذف مجازا فمن زين له سوء عمله فرأى الباطل حقا كمن هداه اللّه فرأى الحق حقا والباطل باطلا فإن اللّه يضل من يشاء ويهدي من يشاء .