اسماعيل بن محمد القونوي

94

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

للعهد وإنما اختاره لشدة ارتباطه بما قبله وهذا القول يفيد العلية أي اجترائهم على ذلك علة لاستحقاقهم ولا ينافيه كون العلة كفرهم لأن الاجتراء المذكور والتكذيب داخل في الكفر فلا يلزم التعدد وإن لم يكن التعدد محذورا . قوله : ( وكذبوا بالحق مثل هذا التكذيب أو لاجترائهم أي أو يعلموا أن في جهنم مثوى للكافرين حين اجترؤوا مثل هذه الجرأة ) « 1 » أي ألم يعلموا الخ في الكشاف ألم يصح عندهم فالمآل واحد وفيه إثبات العلم لهم حيث تمكنهم بالعلم فكأنهم علموا لوضوح برهانه وكثيرا ما نزل تمكن الشيء منزلته فاللام للجنس « 2 » فيدخل هؤلاء الكفرة دخولا أوليا فيتحقق الارتباط بما قبله قوله حين اجترؤوا وفي الكشاف حتى اجترؤوا وهو الأظهر . قوله تعالى : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 69 ] وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ( 69 ) قوله : ( في حقنا فإطلاق المجاهدة ليعم جهاد الأعادي الظاهرة والباطنة بأنواعه ) في قوله : فإطلاق المجاهد أي ذكره مطلقا من غير تقييده بمفعوله حيث لم يذكر بمن المجاهدة بعدو ظاهر أو بعدو باطن ليعم جميع الأعادي واستعمال كلمة في وإدخالها على صيغة التعظيم إشعار بأن حقيقة المجاهد أن يكون في اللّه وفي ذاته لا يتجاوز منها شيء إلى غيره فهو من الكناية الإيمائية على نحو قوله : إن المروءة والسماحة والندى * في قبة ضربت على ابن الحشرج * قال حبيب الأنصاري المفتول صبرا فلست أبالي حين أقتل مسلما * على أي شق كان للّه مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع الممزع المفرق والمقسم والضلو العضو وحديثه بطوله مذكور في الصحيح البخاري ألا يرى كيف أظهر الإخلاص حتى علق البركة بالمشيئة وقال جعفر الصادق رضي اللّه عنه المجاهد : صدق الافتقار وهو انفصال العبد من نفسه واتصاله بربه وقال من جاهد في نفسه لنفسه وصل إلى كرامة ربه ومن جاهد لربه وصل إلى ربه هذا تفسير الهداية بالحمل على حقيقتها وقوله : أو لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير تفسير لها على المجاز قوله وفي الحديث من عمل بما علم ورثه اللّه العلم بما لا يعلم ومن عمل بما يعلم وفق لما لا يعلم ومنه قولهم العلم علمان علم وراثة وعلم دراسة والعارفون صدقت مجاهداتهم فتلوا علوم الدراسة وصفت معاملاتهم فمحوا علم الوراثة اللهم اجعلنا من زمرة العاملين بعلمهم ومن الذين جاهدوا فيك المهتدين لسبيلك ومن جملة المحسنين في مجاهداتك الذين معهم نصرك وإعانتك الحمد للّه الذي وفقني إلى إتمام شرح ما في سورة

--> ( 1 ) هذا المعنى لازم للأخبار بأن جهنم مثوى لهم لزوما عربيا وحاصل المعنى أنهم اجترؤوا هذه الجرأة مع علمهم وتمكنهم بالعلم به أن جهنم مثوى لهم وفي الحقيقة اجترؤوا على صبرهم على النار كما قال تعالى : فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ الآية . ( 2 ) كذا قاله السعدي وتبعه غيره لكن قوله هذه الجرأة وهي الجرأة على الاجتراء يأبى عنه والظاهر أن اللام للعهد أيضا .