اسماعيل بن محمد القونوي

76

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

مقتضى السوق بل كونه جوابا على نحو ما أشار إليه بقوله ومعاملتكم الخ أي طلبكم الآيات المقترحة ليس للإرشاد والاسترشاد بل للتعصب والعناد . قوله : ( فلا يخفى عليه حالي وحالكم ) أي عالم بأنه محق وأنتم مبطلون أشار إلى أن قوله تعالى : يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ [ العنكبوت : 52 ] كالكبرى أي اللّه تعالى عالم ما في السماوات والأرض وكل من هذا شأنه فهو عالم بحالي وحالكم فاللّه تعالى عالم بحالي وحالكم فيجازي عليها وبهذا اتضح ارتباطه بما قبله فهو تأكيد لكونه تعالى شهيدا « 1 » ولذا ترك العطف وفي اختيار صيغة الماضي في كفى والمضارع في يعلم نكتة تظهر بالتأمل والظاهر أن ما عام لذوي العقول أيضا وما في السماوات الخ عام للسموات والأرض فيتناول جميع الممكنات . قوله : ( وهو ما يعبد من دون اللّه ) من الأصنام وغيرها من غير ذوي العقول . قوله : ( وَكَفَرُوا بِاللَّهِ [ العنكبوت : 52 ] منكم ) كالتأكيد بما قبله وصيغة لمضى في الموضعين منسلخ عن الماضوية فهي للاستمرار وتقديم الأول لكونه سببا للثاني قوله منكم للارتباط بما قبله فالموصول للعهد ومن في منكم للبيان ولو أبقاه على عمومه لدخل هؤلاء دخولا أوليا فيكون أفيد . قوله : ( في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان ) اشتروا هنا مستعار للرغبة عن قوله : في صفقتهم أي المغبونون في بيعهم وشرائهم يقال صفقته بالبيع صفقا أي ضربت يدي على يده ويقال ربحت صفقتك للشراء ويقال صفقة رابحة وصفقة خاسرة هذا إشارة إلى أن قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ [ العنكبوت : 52 ] استعارة للاشتراء والبيع تقديرا والخاسرون قرينة للاستعارة فإن الخسران لا يستعمل حقيقة إلا في التجارة المتعارفة شبه استبدال الكفر بالإيمان المستلزم للعقاب بالاشتراء المستعمل للخسران وفي الكشاف إلا أن الكلام ورد مورد الإنصاف كقوله : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ سبأ : 24 ] وقول حسان : فشركما لخير كما فداء يعني أن مقتضى الظاهر أن يقال والذين آمنوا بالباطل وكفروا باللّه منكم لكن ترك ذكر منكم إيرادا للكلام مورد الإنصاف وذلك أن قوله تعالى : قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ [ العنكبوت : 52 ] الآية كلام فيه وعيد شديد وتهديد لكن لم يكافح به من خوطب بأن لم يقل والذين آمنوا بالباطل منكم بل جيء به عاما وعلى الغيبة ولم تصرح بما كان منهم من الجحد والتكذيب ليتفكروا فيه وينظروا هل هم من الجاحدين للحق أو من المحقين المنصفين ومن الذين آمنوا باللّه وكفروا بالطاغوت أو خلافه فحينئذ ينصفون من أنفسهم ويذعنون للحق كما أن حسان وبخ المخاطب في صدر البيت بقوله : اتهجوه ولست له بكفوء

--> ( 1 ) كون يعلم استئنافا لتعليل الكفاية أولى من جعله نعتا لشهيدا .