اسماعيل بن محمد القونوي

444

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

[ سورة سبإ ( 34 ) : آية 3 ] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 3 ) قوله : ( إنكارا لمجيئها ) يعني أن ظاهر هذا القول عدم اتيان الساعة لهم ولا يلزم منه إنكار مجيئها رأسا لكن المراد بضمير المتكلم جميع الناس طرا لا أنفسهم فقط أو معاصريهم بقرينة إنكارهم كما نقل عنهم في موضع آخر كقوله تعالى : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [ الأنعام : 29 ] وقولهم : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً [ المؤمنون : 82 ] الخ ولذا قال المصنف إنكارا لمجيئها وإنكار مجيئها إنكار وجودها ضرورة ولم يقولوا لن نبعث مثلا لأنهم كانوا يوعدون بإتيانها ولذا نفوا بإتيانها . قوله : ( أو استبطاء استهزاء بالوعد به ) فيكون مآله الإنكار أيضا كقولهم مَتى هذَا الْوَعْدُ [ سبأ : 29 ] لكن الاستبطاء لما لم يكن من هذا الكلام ظاهرا ظهوره من مَتى هذَا الْوَعْدُ [ سبأ : 29 ] آخره مع أنه يناسب تعبيرهم بضمير المتكلم أو الاستبطاء لما كان ح مجازا عن النفي مع إمكان الحقيقة اخره ( رد لكلامهم واثبات لما نفوه ) . قوله : ( تكرير لإيجابه مؤكدا بالقسم ) لإيجابه أي لاثباته المستفاد من بَلى [ سبأ : 3 ] قوله : استهزاء مفعول له لاستبطاء . قوله : رد لقولهم وإثبات لما نفوه أي قوله عز وجل : قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [ سبأ : 3 ] رد لقولهم : لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ [ سبأ : 3 ] وإثبات لما نفوه وهو إتيان الساعة بكلمة الإيجاب التي هي لفظة بلى أي هو رد للنفي وإثبات للمنفي . قوله : تكرير لإيجابه مؤكدا بالقسم مقررا لوصف المقسم به بصفات تقررا مكانه معنى التكرير أنه إيجاب بعد إيجاب فالإيجاب الأول هو إيجاب إتيان الساعة بكلمة بلى والإيجاب الثاني هو إيجابه بعد كلمة بلى بقوله : لَتَأْتِيَنَّكُمْ [ سبأ : 3 ] مؤكدا بما هو الغاية في التوكيد والتشديد وهو التوكيد باليمين باللّه عز وجل ثم أمد التوكيد القسمي إمدادا بما اتبع المقسم به من الوصف بما وصف به إلى قوله : لِيَجْزِيَ [ سبأ : 4 ] لأن عظمة حال المقسم به تؤذن بقوة حال المقسم عليه وشدة ثباته وتقرره واستقامته لأنه بمنزلة الاستشهاد على الأمر وكلما كان المستشهد به أعلى كعبا وأبين فضلا وأرفع منزلة كانت الشهادة أقوى وآكد والمستشهد عليه أثبت وأرسخ قال صاحب الفرائد اقتضى المقام اليمين لأن من أنكر ما قيل له فالذي وجب أن يقال بعد ذلك إذا أريد إعادة القول أن يكون مقترنا باليمين وإلا كان خطأ بالنظر إلى علم المعاني وإن كان صحيحا بالنظر إلى العربية والنحو وما ذكر من أن عظمة المقسم به تؤذن عظمة حال المقسم عليه مستقيم فلو وصف بغير هذا الوصف مما يقتضي العظمة كان كذلك وأما الوصف المذكور فلأن إنكارهم البعث باعتبار أن الأجزاء المتفرقة المنتشرة يمتنع اجتماعها كما كان يدل عليه قوله تعالى : قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ [ ق : 4 ] الآية فالوصف بهذه الأوصاف رد لزعمهم واستحالتهم وهو أن من كان علمه بهذه المثابة كيف يمتنع منه ذلك تم كلامه وقد أحسن وأجاد رحمه اللّه وفي الكشاف فإن قلت الناس قد أنكروا إتيان الساعة وجحدوه فهب أنه حلف لهم بأغلظ إيمان وأقسم عليه جهد القسم فيمين من هو في معتقدهم مفتر على اللّه كذبا كيف تكون مصححة لما أنكروه قلت هذا لو اقتصر على اليمين ولم يتبعها الحجة القاطعة والبينة الساطعة وهو قوله : لِيَجْزِيَ [ سبأ : 4 ] فقد