اسماعيل بن محمد القونوي

314

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

حتى بعث اللّه تعالى عليهم صبا باردة في ليلة شاتية فاخصرتهم وسفت التراب في وجوههم وأطفأت نيرانهم وقلعت خيامهم وماجت الخيل بعضها في بعض وكبرت الملائكة في جوانب العسكر فقال طليحة بن خويلد الأسدي أما محمد فقد بدأكم بالسحر فالنجاء النجاء فانهزموا بغير قتال ) لا حرب بينهم أي بين الفئتين فلا ينافي ما روي أن عليا رضي اللّه تعالى عنه بارز رجلا منهم قوله : إلا الترامي بالنبل فيه إشارة إلى أنه لا حرب بينهم بالتقاء الصفوف حتى بعث اللّه نبه به على أن الفاء في فأرسلنا وإن دل على التعقيب لكن ليس باعتبار مبدأ المجيئة بل باعتبار النهاية ولك أن تقول إنها للسببية بدون تعقيب ريح الصبا مهبها مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار في جميع البلدان قوله باردة صفة موضحة فأخصرتهم أي جعلتهم خصرين مولمين بالبرد والفاعل الريح لقوله وسفت التراب في وجوههم أي رمته بالسين المهملة والفاء المخففة أصله سفيت فاعل فصار سفت وقطعت خيامهم حتى وقعت في الأرض وماجت الخيل أي اضطربت واختلط بعضها ببعض وكبرت الملائكة والمراد بالجنود هؤلاء الملائكة وهم غير مرئيين للمؤمنين وإن رآهم رسول اللّه عليه السّلام فالنجاء النجاء مصدر منصوب على أنه مفعول بفعل مضمر أي أنجوا النجاة وحاصله أي أسرعوا وفروا لتنجوا من سطوة أهل الإسلام والتكرير للتأكيد فانهزموا الخ وهذه النعمة التي أمر اللّه المؤمنين بذكرها وتذكرها والقيام بشكرها وأما مجيئة جنود وعدها نعمة فلكونها سببا لهذه النعمة الجسيمة وتمهيدا لها . قوله : ( من حفر الخندق وقرأ البصريان بالياء أي بما يعمل المشركون من التحزب والمحاربة ) من حفر الخندق بيان لما الموصولة قوله : من التحزب أي التجمع والمحاربة أي قصد المحاربة فلا ينافي ما مر . قوله : ( رائيا ) ولذا نصركم نصرا مؤزرا أو خذلهم اللّه بالقاء الرعب في قلوبهم وتفريق جمعهم والختام يناسب الأول مناسبة تامة . قوله تعالى : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 10 ] إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ( 10 ) قوله : ( بدل من إذ جاءتكم ) بدل الكل فائدة البدل زيادة التقرير وتعلقه بما تعملون أو بصيرا ليس بمستحسن . الرجل إذا آلمه البرد في أطرافه وخصرت يدي وخصر يومنا اشتد برده وماء خصير بارد كذا في الصحاح وفي الأساس يوم خصر بارد وخصرت أنامله من البرد وأخصرها الفقر . قوله : وسفت التراب من قولهم سفت الريح التراب تسفيه سفيا إذا ذرته أي سفت ريح الصبا التراب في وجوههم وغبرته . قوله : فالنجا النجا أي أنجوا بأنفسكم النجا فهو مصدر منصوب بفعل مضمر أي انجوا النجا قوله عن مستوى نظرها المستوي على صيغة اسم المفعول المراد به مكان الاستواء أي مالت الأبصار عن محل استواء نظرها .