اسماعيل بن محمد القونوي
278
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
ومجازه ويمكن حملها على التراخي في الزمان هنا إذ الإعراض بعد التذكير زمانا لكن المبالغة في الذم فيما ذكره وقيل الاستبعاد « 1 » غير التراخي الرتبي كما صرح به شراح الكشاف فهو أعم منه لأنه بعد أحدهما رتبة في شرف أو ضده سواء كان الأول أعلى أو الثاني وهذا مطلق التباعد بينهما رتبة وإن لم يشتركا في شرف أو ضده والمشهور في التراخي الرتبي كون مدخول ثم أعلى رتبة مما عطف به عليه لا بعد أحدهما رتبة وفي بيانهم نوع خلل فتأمل والحاصل أن المعنى هنا أن إعراضهم بعد التذكير مستبعد جدا لا يلتفت فيه إلا بعد أحدهما أو بعدها في الشرف أو ضده قوله بعد التذكير متعلق بالإعراض قوله عقلا تمييز عن إضافة الاستبعاد إلى الإعراض . قوله : ( ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة يرى غمرات الموت ثم يزورها ) ولا يكشف الغماء الخ أي لا يكشف الأمر العظيم والخصلة الشديدة إلا رجل كريم يرى فخم الموت ثم يلجئها ولا يعدل عنها وقال ابن حرة : لأن مثله ذو أنفة والغمى ما يغم وأصله التغطئة وثم فيه لاستبعاد مشاهدة شدائد الهلاك ثم الرغبة فيها واقتحامها ومعنى يرى غمرات الموت بتخفيفها حتى كأنه يشاهدها قوله ثم يزورها عبر بالزيارة للإشارة إلى أن اتيانه لها رغبة لا اضطرارا كما قيل . قوله : ( فكيف ممن كان اظلم من كل ظالم ) فكيف الخ إشارة إلى ارتباطه بما قبله إذ قوله : فكيف ممن كان أظلم كل ظالم يعني وضع المظهر موضع المضمر حيث قيل من المجرمين ولم يقل منه إشعارا بأنا ننتقم ممن يرتكب جريمة فكيف ممن هو أظلم من كل ظالم وأجرم من كل مجرم وجعل صاحب الكشاف نكتة وضع المظهر في مقام المضمر إرادة تعميم الانتقام لكل مجرم مؤمنا كان أو كافرا وفيه رايحة الاعتزال كما أشار إلى مذهبه في ذكر سبب نزول قوله تعالى : أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا [ السجدة : 19 ، 20 ] الآية قال نزلت عامة للمؤمنين والفاسقين فتناولهما وكل من في مثل حالهما قال صاحب الانتصاف ذكر السبب المحقق والمراد بالفاسق وبالذين فسقوا الكفار وأدرج فيهم المؤمنين تعصبا لمذهبه في وجوب خلود الفساق في النار وكذا جعل هنا نكتة العدول عن أصل النظم عموم حكم الانتقام لكل مجرم إشارة إلى مذهبه قال الطيبي رحمه اللّه ولا ارتياب في أن الكلام في ذم المعرضين وهذا الأسلوب أذم لهم من ذلك لأنه تقرر أن الكافر إذا وصف بالفسق والظلم والجرم حمل على نهاية كفره وغاية تمرده ولأن هذه الآية كالخاتمة لأحوال المكذبين القائلين أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ [ السجدة : 3 ] والتخلص إلى قصة الكليم عليه السّلام مسلاة لقلب حبيبه يعني آتينا موسى مثل ما آتيناك من الكتاب وألقيناه مثل ما ألقيناك وكما جعلنا المنزل عليه هدى لقوم صبروا كذلك نجعل كتابك هدى ونورا لمن يصبر كما جعلنا كتابه مختلفا فيه كذلك نجعل كتابه مختلفا فيه وكما أهلكنا المعرضين نهلك هؤلاء أو لم نهد لهم كما أهلكنا من قبلهم من القرون سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا نجد لسنتنا تحويلا .
--> ( 1 ) استبعدها أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنتها واطلع على شدتها كما في الكشاف .