اسماعيل بن محمد القونوي
270
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الحديث وللتنبيه على ذلك اختير جمع القلة ولما كان المصلون كثيرين في أنفسهم وإن كانوا قليلين بالنسبة إلى غيرهم اختار المصنف صيغة جمع الكثرة لكن الأولى عدم التغيير . قوله : ( وعنه عليه السّلام يقول اللّه تبارك وتعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) رواه أبو هريرة اتفق البخاري ومسلم رحمهما اللّه تعالى عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أعددت أي هيأت وأحضرت لهم من النعيم في دار المقيم لعبادي الصالحين أي المتهجدين الحامدين المسبحين ما لا عين رأت من النعيم وظاهره أنها شاملة لأعين خزنة الجنة كما مر من أنه لا يعلم ملك مقرب فإن الملك عام للخزنة فيكون المراد به نوع من النعم مختفية عن أعينهم أيضا وإن كانت من قبيل المرئيات ولا يبعد أن يراد به المقامات المعنوية من المعارف الإلهية فلا يكون من قبيل المبصرات وكذا الكلام فيما بعده قدمه لأن أكثر نعم الجنة متعلق « 1 » الرؤية ثم هذا قوله : وعنه عليه الصلاة والسّلام روى يقول اللّه أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت الحديث رواية البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي اللّه عنه والرواية أطلعتكم وقوله ما اطلعتم عليه يحتمل أن يكون منصوب المحل ومجروره على التقديرين والمعنى دع ما اطلعتم عليه من نعيم الجنة وعرفتموه من لذاتها وعن الحسن أخفى القوم أعمالا في الدنيا فأخفى اللّه لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت وهذه الرواية وهي رواية الحسن يؤذن أن الفاء في قوله : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ [ السجدة : 17 ] لربط الآية اللاحقة بالسابقة مرتبة عليها ترتيب الفاء في قوله تعالى : فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا [ السجدة : 14 ] وكان أصل النظم تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [ السجدة : 16 ] فلا يعلمون ما أخفي لهم فيجزيهم اللّه الجزاء الأوفى بشهادة قوله جزاء بما كانوا يعملون فوضع النفس موضع الضمير ونكرها تنكير تعظيم إشعارا بأنها لو وصفت بكل وصف ما بلغ هذا المبلغ ثم روعت المناسبة في قوله ما أخفي لهم حيث أبهم الجزاء ولم يعين الفاعل تعظيما له وفيه إن ذلك الإنفاق غير الإنفاق الواجب كالزكاة وإن هذه الأعمال هي أبواب الخير وبها تنال الزلفى عند اللّه والدرجات العلى ويعضده ما روي عن الترمذي عن معاذ قلت يا رسول اللّه أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار قال لقد سألتني عن عظيم وأنه ليسير على من يسره اللّه عليه تعبد اللّه ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت قال ألا أدلك على أبواب الخير قلت بلى يا رسول اللّه قال الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل شعار الصالحين ثم تلا : تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ [ السجدة : 16 ] الآية . قوله : مما تقر به عيونهم أي تبرد به دموع عيونهم وهو كناية عن السرور فإن دموع من يبكي عند المسرة باردة وعند الحزن حارة فإن الدم الذي به سخونة البدن ينجذب عند السرور إلى الباطن فيبرد الجلد وببرودة الجلد يبرد الرطوبات التي تتكون منها الدمعة وعند الحزن ينجذب إلى الظاهر
--> ( 1 ) ولذا اكتفى بهما عن ذكر سائر الحواس الظاهرة مع أنها المراد أيضا إذ معظم اللذات الحسية مقصور على المساكن والمطاعم والمناكح كما صرح به المص في أوائل سورة البقرة فلا جرم أن المراد نفي العلم مطلقا بالحواس الظاهرة كلها وبالعقل ولذا نفي العلم مطلقا في النظم الجليل .