اسماعيل بن محمد القونوي

265

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( تركناكم من الرحمة أو في العذاب ترك المنسي ) تركناكم أي النسيان هنا كناية عن الترك أو مجاز عنه لاستحالة المعنى الحقيقي أو المعنى جزيناكم جزاء نسيانكم فذكر النسيان للمشاكلة وتركه المص لذكره في بعض أمثاله على أن مآلهما واحد والكشاف تعرض كلاهما لكن آخر ما اختاره المصنف إذ المشاكلة من المحسنات مع كونها مجازا وما ذكر المص أبلغ في التشديد قوله ترك المنسي فيه تنبيه على الاستعارة . قوله : ( وفي استئنافه وبناء الفعل على أن واسمها تشديد في الانتقام منهم ) وفي قوله : وفي استئنافه وبناء الفعل على أن واسمها تشديدا في الانتقام منهم كأنهم لما قيل لهم فذوقوا عَذابَ الْخِزْيِ [ فصلت : 16 ] وهو خزي نكس الرؤوس والغم بسبب ترك الاستعداد ليوم التناد قالوا : فما خطبنا وحكمنا بعد هذا الخزي هل يرحم علينا ربنا ويكشف عنا هذا الغم والخزي فقيل لهم إنا نسيناكم أي نجزيكم جزاء نسيانكم بالحرمان من الرحمة وإذاقة ما هو أشد من الخزي وهو العذاب السرمد فأخرج الكلام مخرج الماضي المحقق وصدرت الجملة بأن وعطف الطلبي على الخبري تشديدا للانتقام منهم هذا ما حقق شراح الكشاف في هذا الموضع موافقا لما فسره صاحب الكشاف من أن مفعول ذوقوا الثاني غير مفعول ذوقوا الأول وهو هذا في لقاء يومكم هذا وكتقديره قدر المفعول أبو البقاء والمشار إليه هو مضمون قوله : وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ السجدة : 12 ] ويلزمه الخزي والغم وقدره الواحدي صفة ليومكم وأما القاضي رحمه اللّه فإنه جعل المفعول الثاني غير مفعول الأول حيث قال كرر الأمر للتأكيد ولما نيط به من التصريح بمفعوله وتعليله بأفعالهم السيئة فتكريره لتعليق معنى زائد والآيات منتظمة جامعة للعذابين الروحاني والجسماني قال صاحب الكشاف في تفسير بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ السجدة : 14 ] بسبب ما عملتم من المعاصي والكبائر وهو إدخال لأهل القبلة في عموم قوله : وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ السجدة : 12 ] ويرده سياق الآية وقالوا : أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [ السجدة : 10 ] بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ [ السجدة : 10 ] وسياقها إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً [ السجدة : 1 ] الآية ولذا قال القاضي رحمه اللّه في تفسير بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ من التكذيب والمعاصي فإن قوله من التكذيب إخراج لهم عن عموم حكم هذه الآية قال صاحب الانتصاف مذهبا هل السنة أن الموجب للخلود والكفر خاصة والمسألة سمعية وأدلتها من الكتاب قطعية قوله ونزهوا عما لا يليق به قال صاحب الكشاف ونزهوا من نسبة القبائح وهو تعريض بأهل السنة وتفسيرهم قوله تعالى : وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها [ السجدة : 13 ] بما يلزم نسبة القبيح إليه تعالى وهو خلق الكفر في الكافر ثم إدامة العذاب بسببه والمعتزلة لما قالوا بالحسن والقبح العقليين نزهوا اللّه عن نسبة القبيح العقلي إليه تعالى وأهل السنة يقولون بأن الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع فالحسن والقبح عندهم شرعيان لا مدخل للعقل في حسن الأشياء وقبحها فنقول بل الآية تبطل مذهب المعتزلة في قاعدة الحسن والقبح العقليين لتصريحها بأن المؤمن بالآيات إذا جاءه نص من النصوص اذعن وخضع لما جاءه من عند اللّه وعزل العقل عن أن يحكم في الأمور الدينية بالحسن والقبح ويدل على الخضوع والإذعان تتميم الآية بقوله : وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ [ السجدة : 15 ] ثم إن الآية مقابلة وناظرة إلى قوله تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ [ السجدة : 3 ] في ألم تَنْزِيلُ الْكِتابِ