اسماعيل بن محمد القونوي
193
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
أصبحت في يدي غيري فتفكر داود فيه فصعق صعقة وأنه أمره بأن يذبح شاة ويأتي بأطيب مضغتين منها فأتى باللسان والقلب ثم بعد أيام أمره بأن يأتي بأخبث مضغتين منها فأتى بهما أيضا فسأله عن ذلك فقال : هما أطيب شيء إذا طابا وأخبث شيء إذا خبثا ) استكمال النفس أي طلب كمالها وكمالها بلا طلب لا يسمى حكمة كما هو المتبادر الظاهر باقتباس العلوم أي بتحصيلها وفيه تشبيه العلوم بالأنوار حيث يزيل ظلمة الجهل كما أن النور يزيل الظلمة الحكمة المجردة على النبوة روي أنه كان نائما نصف النهار فنودي يا لقمان هل لك أن يجعلك اللّه خليفة في الأرض فتحكم بين الناس بالحق فأجاب الصوت فقال إن خيرني ربي قبلت العافية ولم أقبل البلاء وإن عزم علي فسمعا وطاعة فإني أعلم إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني فقال الملائكة بصوت لا يراهم لم يا لقمان قال لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها يغشاه الظلم من كل مكان أن من يعني فبالحري أن ينجو وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة ومن يكن في الدنيا ذليلا خير من أن يكون شريفا ومن يختر الدنيا على الآخرة تفته الدنيا ولا يصيب الآخرة فعجبت الملائكة فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه وهو يتكلم بها ثم نودي داود بعده فقبلها ولم يشترط ما اشترط لقمان فهو في الخطيئة غير مرة وكان لقمان يوارزه لحكمته فأقول قد خرج الجواب عن نظر صاحب الانتصاف بهذه الرواية فليتأمل وفي الكشاف وقد نبه اللّه سبحانه على أن الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي هو العمل بهما وعبادة اللّه والشكر له حيث فسر إيتاء الحكمة بالبعث على الشكر قال الطيبي عطف العلم الحقيقي على الحكمة الأصلية عطف تفسير وكذا عطف وعبادة اللّه على العمل بهما وكذا عطف الشكر له على العبادة لأن الشكر تعظيم المنعم في القلب ويناوله باللسان وتحقيق مراضيه بالجوارح وقال صاحب النهاية الحكيم ذو الحكمة والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم وقال الحكم العلم والفقه وهو مصدر حكم يحكم ومنه الحديث الخلافة من قريش والحكم في الأنصار خصهم بالحكم لأن أكثر فقهاء الصحابة منهم وفي المغرب الحكمة ما يمنع من الجهل وقبل كل كلام وافق الحق وعلى حسب ظاهر الحكمة فمعنى الآية وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ [ لقمان : 12 ] أي المعرفة بأفضل الأشياء فلما عدل عنه إلى العلم والشكر علم أن الحكيم كل الحكيم من عمل بمقتضى الحكمة ولا يكتفي بالمعرفة فحسب وقال ابن يونس أما الحكمة فيطلق بإزاء معنيين أحدهما أنها عبارة عن الإحاطة بنظم الأمور ومعانيها الدقيقة والجليلة والثاني وقوع الأفعال متقنة بحسب علم الفاعل وقالوا في لقمان هو لقمان بن باعورا ابن أخت أيوب أو ابن خالته وقيل كان من أولاد أزر وعاش ألف سنة وأدرك داود عليه السّلام وأخذ عنه العلم وكان يفتي قبل مبعث داود فلما بعث قطع الفتوى فقيل له فقال ألا اكتفى بما كفيت وقيل كان قاضيا في بني إسرائيل وأكثر الأقاويل أنه كان حكيما ولم يكن نبيا وعن ابن عباس لقمان لم يكن نبيا ولا ملكا ولكن كان راعيا أسود فرزقه اللّه العتق ورضي قوله ووصيته فقص أمره في القرآن لتمسكوا بوصيته وقال عكرمة والشعبي كان نبيا وعن ابن المسيب كان أسود من سودان مصر خياطا وعن مجاهد كان عبدا أسودا غليظ الشفتين متشقق القدمين وقيل كان نجارا وقيل كان راعيا وقيل يحتطب لمولاه كل يوم حزمة وعنه أنه قال لرجل ينظر إليه إن كنت تراني غليظ الشفتين فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض وروي أن رجلا وقف عليه في مجلسه فقال ألست الذي ترعى معي في مكان كذا قال بلى قال ما بلغ بك ما أرى قال صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني .