اسماعيل بن محمد القونوي
108
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
حالا فيها إذ مدار أمرها على التبسط في البلاد والتسلط على العباد والتصرف في أقطار الأرض بأنواع العمارة وهم ضعفاء ملجؤون إلى واد لا نفع لها ) وفيه تهكم بهم أي في هذا الكلام لأن أهل مكة أهل واد غير ذي زرع كما نطق به النص الكريم فما لهم إثارة الأرض أصلا ولا عمارة لها قطعا فما هذا الكلام إلا تهكم لأن أفعل التفضيل يقتضي المشاركة في أصل الفعل مع أنه لا مناسبة بينهم قوله من حيث الخ للتعليل وهم أضعف حالا فيها ولعله أشار إلى أن أشد منهم من قبيل الصيف أحر من الشتاء ويتضح التهكم حينئذ مزيد الاتضاح فالقول بأن وجه التهكم إنما هو في اغترارهم بالدنيا وافتخارهم بها مع ضعفهم فيها لا من أفعل فإنه غير موجه إذ لا شك في قوتهم وعمارتهم الأرض واستنباط الماء وغيره وكون من قبلهم أشد منهم ضعيف أما أولا فلأن التهكم لا يظهر حينئذ وأما ثانيا فلأن آخر كلامه لا يلائم أوله حيث قال مع ضعفهم فيها ثم أثبت القوة . قوله : ( بالمعجزات أو الآيات الواضحات ) فكذبوها واستهزؤوا بها فدمرهم اللّه تعالى تدميرا . قوله : ( فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ [ الروم : 9 ] ) والفاء في فما كان اللّه تفريع لهذا المقدر فما كان اللّه استمرار في النفي لا نفي الاستمرار اللام في ليظلمهم صلة خبر كان أو متعلق بمحذوف أي فما كان اللّه مريدا لأن يظلمهم . قوله : ( ليفعل بهم ما يفعل الظلمة فيدمرهم من غير جرم ولا تذكير حيث عملوا ما أدى إلى تدميرهم ) . قوله تعالى : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 10 ] ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ ( 10 ) ( أي ثم كانت عاقبتهم العقوبة أو الخصلة السوأى فوضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على ما اقتضى أن يكون تلك عاقبتهم ) ليفعل بهم أوله لأنه تعالى لو أهلكهم بغير جرم لم يكن قوة وكثرة عمارة أرض والحال إنهم ضعفاء لا قوة لهم وملجؤون إلى واد لا نفع لهم فيها من جهة عمارة الأرض وزرعها قال صاحب الفرائد يمكن أن يكون المراد من العمارة عمارة الأبنية من الدور والقصور والحصون فعلى هذا لا يكون تهكما ورد عليه بأنه غفل عن قوله تعالى : وَأَثارُوا الْأَرْضَ [ الروم : 9 ] . قوله : أي ثم كان عاقبتهم العقوبة بالسوأى يعني أن السوأى صفة مشتقة تأنيث الاسوء فلا بد لها من تقدير موصوف وموصوفها إما العقوبة أو الخصلة فالمعنى على الأول ثم كان عاقبة الذين فعلوا السيئات العقوبة السوأى التي هي جزاء عملهم السئ وعلى الثاني ثم كان عاقبة الذين عملوا السيئات الخصلة السوأى التي هي التكذيب والاستهزاء بالآيات . قوله : فوضع الظاهر موضع الضمير للدلالة الخ يعني كان مقتضى الظاهر أن يقال ثم كان عاقبتهم السوأى على أن يكون خبر كان السوأى أو ثم كان عاقبتهم أن كذبوا بآيات اللّه وكانوا بها يستهزئون على أن يكون السوأى صلة فعل والخبر أَنْ كَذَّبُوا الآية لكن عدل عن مقتضى الظاهر للدلالة على معنى العلية بأن يبين أن المقتضى لسوء عاقبتهم هو فعلهم السئ وهذا المعنى يفوت في الإضمار .