اسماعيل بن محمد القونوي
70
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بلغ نهايته حتى صار محجورا أي ذي حجر على أن الصيغة للنسبة أو على الإسناد المجازي وهو المشهور عند أرباب المعاني . قوله تعالى : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 23 ] وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) قوله : ( من عمل ) أي من عمل صالح « 1 » بقرينة قوله تعالى : فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [ الفرقان : 23 ] إذ الكلام مسوق لخسرانهم في تجارتهم فلا ريب في حسن بيان ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ وإلى ذلك أشار المص بقوله من مكارمهم الخ . قوله : ( أي وعمدنا إلى ما عملوا في كفرهم من مكارمهم كقري الضيف وصلة الرحم وإغاثة الملهوف فأحبطناه لفقد ما هو شرط اعتباره وهو تشبيه حالهم وأعمالهم بحال قوم استعصوا سلطانهم فقدم لي أشياءهم فمزقها وأبطلها ولم يبق لها أثرا والهباء غبار يرى في شعاع الشمس تطلع من الكوة من الهبوة وهي الغبار ) أي وعمدنا إلى ما عملوا هذا التفسير منقول عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما كما في شروح الكشاف نبه أولا على أن القدوم مجاز عن القصد إذ القدوم إنما هو بالقصد فهو مجاز مرسل بعلاقة السببية والمسببية ثم أشار إلى أنه استعارة تمثيلية وقد قرر في موضعه أن مفردات الاستعارة التمثيلية باقية على حالها فقوله وهو تشبيه حالهم ليس « 2 » وجها آخر حتى يقال إنه خلط بين المعنيين بل حمل المص على معنى واحد وهو استعارة تمثيلية بعض مفرده وهو القدوم مجاز عن القصد كما مر وإنما حمل الكلام على الاستعارة التمثيلية مع أن المعنى يصح بدون اعتبارها لأن فيه مبالغة عظيمة وبراعة جسيمة وتوضيحه أنه شبه الهيئة المنتزعة من الكفار وأعمالهم الصالحة في أنفسها وعدم قبولها لفقد شرطه وهو الإيمان بالهيئة المنتزعة من قوم استعصوا سلطانا ومع ذلك فعلوا أشياء زعما منهم أنهم بسببها تقربوا إلى السلطان فقدم السلطان القاهر بنفسه قاصدا إلى أشيائهم فمزقها وأبطلها بحيث لم يبق لها أثر فذكر اللفظ المركب قوله : فأحبطناه لفقد ما هو شرط اعتباره وهو الإيمان فإن سائر الأعمال الصالحة عند عدمه لا يعتد بها ولا ثمرة لها لأنها لا أساس لها . قوله : وهو تشبيه حالهم وأعمالهم الخ يعني قوله عز من قائل : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [ الفرقان : 23 ] من قبيل الاستعارة التمثيلية إذ ليس ههنا قدوم حقيقة ولكن مثلت حال هؤلاء الكفرة ومستحسنات أعمالهم التي عملوها في كفرهم بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه فقدم السلطان إلى أسباب معاشهم وعمد إلى ما هو تحت تصرفهم فأفسدها رأسا ولم يبق منها أثرا أو لا عتيرا فاستعمل في الحال الأولى المشبهة من الكلام ما شأنه أن يستعمل في الحال الثانية المشبهة من الكلام بها .
--> ( 1 ) فلا إشكال بأنه بيان نفسه بحسب الظاهر وهذا أولى من القول بأن صحة البيان باعتبار التنوين لأنه للتعظيم ومآله ما ذكرنا أي الخبر . ( 2 ) أي ليس هنا قدوم ولا ما يشبه القدوم ولكن مثلت حال هؤلاء .