اسماعيل بن محمد القونوي

545

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله تعالى : [ سورة القصص ( 28 ) : آية 57 ] وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 57 ) قوله : ( نخرج منها نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » فقال نحن نعلم أنك على الحق ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب ) نخرج منها بصيغة المجهول جواب أن نتبع أي يخرجنا الأعداء بسبب اتباعك وهو أشد من القتل وأصل التخطف الأخذ بسرعة والاختلاس بها لكنه استعير « 2 » هنا للإخراج المذكور . قوله : ( وإنما نحن أكلة رأس أن يتخطفونا من أرضنا ) ونحن أكلة رأس وأكلة جمع أكل بوزن نصرة وهو ضرب مثل يضرب للقلة وأصله ناس قليلون إذا أكلوا رأس واحدة من رؤوس الحيوان المطبوخة وهذه الجملة معترضة بين الفعل ومفعوله للمسارعة إلى بيان وجه التخطف . قوله : ( فرد اللّه عليهم بقوله : أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ [ القصص : 57 ] ) فرد اللّه تعالى بقوله أي على أبلغ وجه وعلى إيراد برهان فقال : أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ [ القصص : 57 ] أي ألم نحفظهم ولم نمكن لهم والمعنى قد عصمناهم وجعلنا لهم مكانا ذا أمن ببركة البيت الحرام قبل الإسلام فما ظنهم في الحفظ بعد اجتماع الأمرين السببين للأمن البيت الحرام وشرف الإسلام وهذا تنبيه على أنه تعالى كما حفظهم فيما مضى يحفظهم فيما يستقبل بطريق الأولى وفيه من المبالغة ما لا يخفى . قوله : ( أو لم نجعل مكانهم حرما ذا أمن بحرمة البيت ) ذا أمن أي آمنا من صيغ النسبة إذ إسناد الأمن إلى أهل الحرم حقيقة وإلى الحرم مجازا ولذا حملها على النسبة كلابن وتأمر هربا عن المجاز قوله أو لم نجعل لهم إشارة إلى أنه ضمن معنى الجعل أو صيغة التفعيل للتعدية فيفهم الجعل بلا تضمين ولذا نصب حرما على أنه مفعول به . قوله : ( الذي فيه يتناحر العرب حوله وهم آمنون فيه ) الذي يتناحر العرب أي يقاتل بعضهم بعضا قال تعالى وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ يختلسون قتلا وسبيا إذ كانت قوله : وإنما نحن أكلة رأس أي قليلون . قوله : يتناحر العرب من انتحر القوم على الشيء إذا تشاحوا حرصا وتناحروا في القتال والمراد التناصر .

--> ( 1 ) الظاهر أن نحن نعلم أنك حق للتهكم ويمكن الحمل على ظاهره وما نقله المص نوع مغاير لما في النظم الكريم فيكون نقلا بالمعنى في النظم الكريم أو في كلام المص . قوله تعالى : وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى هذه شبهة أخرى متعلقة بأحوال الدنيا فاتضح ارتباط إِنَّكَ لا تَهْدِي الآية لأجل بيان أن الدلائل المذكورة لا تكفي في الابتداء ما لم يضم هداية اللّه تعالى حتى نفى عن الهادي الدال على ما يوصل إلى المطلوب تدبر . ( 2 ) أي مجاز مرسل .