اسماعيل بن محمد القونوي

530

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله تعالى : [ سورة القصص ( 28 ) : آية 45 ] وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ( 45 ) ( وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً [ القصص : 45 ] ) الآية والمراد الدلالة الخ وقد أوضحناه آنفا وهذا نظير قوله تعالى : تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ [ هود : 49 ] الآية وفيه تنبيه على أن ما ذكر ليس المراد به الإخبار به لأنه ظاهر فالمراد الدلالة المذكورة والقرينة على ذلك ما ذكرناه من أن ما أخبر به لا يعلم إلا بعلم أو مشاهدة أو نقل متواترا والأخيران منتفيان والتعلم أيضا منتف لم يذكره لظهوره فتعين أنه بالوحي فيدل على نبوته وهذا هو المقصود هنا . قوله : ( أي ولكنا أوحينا إليك لأنا أنشأنا قرونا مختلفة بعد موسى عليه السّلام ) أشار به إلى أن كونه استدراكا بملاحظة هذا التقدير فإن التوهم الناشئ مما قبله إنما يدفع بهذا المقدر فأقيم علته مقامه كما ذكره وحاصله ما كنت حاضرا لكنك علمته بالوحي وعلة ذلك أن الزمان تطاول فانطمس آثار الوحي واندرس أحكام الشرع فأرسلناك بالقرآن تبيانا لكل شيء بالبرهان وهذا خلاصة ما ذكره المص فعلم أن بيان إن بعثة موسى عليه السّلام بعد إهلاك القرون لمساس الحاجة الداعية إليه تمهيد لبيان أن إرسال الرسول عليه السّلام بالقرآن لمساس الحاجة إلى الإرسال فهذا كقوله تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ [ المائدة : 19 ] الآية ففي هذه الآية امتنان على الأمة بأن بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وكانوا أحوج ما يكون إليه . قوله : ( فتطاولت عليهم المدد ) وهي جمع مدة تفسير لقوله فتطاول عليهم العمر فإنه مستلزم لتطاول مدة أي تطاول مدة الوحي ولم يبعث فيه نبي يجدد الشرع فكان ذلك سببا للتحريف وتغيير الشرع فمست الحاجة إلى إرسال الرسول عليه السّلام . قوله : ( فحرفت الأخبار وتغيرت الشرائع واندرست العلوم فحذف المستدرك وأقيم سببه مقامه ) فحذف المستدرك لظهوره وللإيجاز وهو كثير في كلامهم وقد يقع في القرآن أيضا . قوله : ( مقيما ) تفسير ثاويا ( شعيب والمؤمنين به ) . قوله : ( تقرأ عليهم للتعلم منهم ) تقرأ أي تتلو من التلاوة لا من التلو قوله للتعلم لأنه عليه السّلام لو فرض وجوده في ذلك الزمان لا يكون قراءته إلا للتعلم ولذا حملها عليه وفيه رد لتوهم سماعه عليه السّلام منهم بطريق التعلم . قوله : ( التي فيها قصتهم ) « 1 » أي قصة القرون الأولى ولقرب عهد أهل مدين بزمن موسى عليه السّلام خصوا بالذكر . المغيبات التي لا توقف عليها إلا بالوحي فإن الإخبار عن الماضين مع تطاول الوحي العهد ونسيان الذكر مع عدم شهود أحوالهم لا يكون إلا بوحي من اللّه تعالى وإعلام منه .

--> ( 1 ) وقيل قصة أهل مدين ولا يخفى ضعفه .