اسماعيل بن محمد القونوي

49

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

في الغفلة فإنهم يرثون تلك النعم منهم وتمتعهم وإن كان قبل أبناءهم لكن المحاورة معهم وعن هذا قدموا في الذكر وآباءهم إن كانوا ممن يعبد من دون اللّه فالمحاورة تكون معهم أيضا فذكرهم لبيان مزيد غفلتهم فلهم حيثيتان كونهم أبناء وآباء حتى ينتهي إلى أب لم يعبد من دون اللّه . قوله : ( حتى غفلوا عن ذكرك ) فاللام عوض عن المضاف إليه أو للعهد والمراد به الإيمان باللّه تعالى والقرآن والشرائع والمراد بالنسيان الغفلة رأسا ولذا فسره بها لا أنهم ذكروه أولا ثم نسوه ثانيا فهو مجاز عن الغفلة . قوله : ( أو التذكر لآلائك والتدبر في آياتك ) أو التذكر لآلائك أي لنعمك ونسيان ذلك التذكر مؤد إلى نسيان المنعم والإيمان به فبهذا الاعتبار صار سببا لضلالهم وكذا الكلام في التدبر في آياتك وكون الذكر بمعنى التذكر معنى مشهور له وإن كان مجازا في الأصل فإن الذكر ما يكون باللفظ موافقا لما في القلب والتذكر أمر قلبي وفي الأكثر يستعمل في الاستحضار بعد النسيان لكن له فسحة في البيان وحاصل المعنى إنا لم نضللهم ولم نحملهم على الضلال لكنهم ضلوا عن السبيل بسبب تمكينهم من الاستغراق بالتنعم بأنواع المستلذات والاستيفاء بالشهوات وفيه رمز خفي إلى أمر جلي تحاشوا عن تصريحه محافظة للآداب في حضور الملك الوهاب . قوله : ( وهو نسبة الضلال إليهم من حيث إنه بكسبهم وإسناد له إلى ما فعل اللّه بهم فحملهم عليه وهو عين ما ذهبنا إليه فلا ينتهض حجة علينا للمعتزلة ) وهو أي هذا القول قوله : حتى غفلوا عن ذكرك أو التذكر لآلائك الوجه الأول على أن يكون متعلق الذكر هو اللّه تعالى والثاني على أن يكون متعلقه الاءه تعالى ونعماءه . قوله : وهو نسبة للضلال إليهم من حيث إنه بكسبهم وإسناد له إلى ما فعل اللّه بهم فحملهم عليه أي قوله تعالى : وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ [ الفرقان : 18 ] نسبة للضلال إليهم لأن نسيان الذكر ضلال ونسبة النسيان إليهم هي نسبة الضلال وهذه النسبة لكون الضلال بكسبهم وإسناده إلى فعل اللّه الذي هو تمتيعهم بأنواع النعم لكونه سببا حاملا لهم عليه وجه إسناد الضلال إلى فعله تعالى من حيث إنه جعل النسيان غاية لتمتيعهم بأنواع النعم . قوله : وهو عين ما ذهبنا إليه أي وإسناد الضلال إلى فعله تعالى عين ما ذهب إليه أهل السنة من أن إسناد الإضلال في قوله تعالى : يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ * إلى اللّه تعالى إسناد حقيقي لأن إعطاءهم سبب الضلال مع علمه تعالى بأنهم يضلون به إضلال فلا يقوم الآية حجة للمعتزلة علينا وقال المعتزلة إسناد الإضلال يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ * إسناد مجازي من باب الإسناد إلى المسبب حيث يمتعهم اللّه ويحولهم في نعمه حتى كان ذلك سببا مؤديا إلى ضلالهم فصار كأنه أضلهم فتكون هذه الآية عندهم كأنها شرح وبيان لوجه إسناد الإضلال إليه تعالى في يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ * على طريق المجاز وما ذكره القاضي رحمه اللّه هو توجيه للآية مطابقا لما ذهب إليه أهل السنة رحمهم اللّه وخرج منه الجواب عن طعن صاحب الكشاف في أهل السنة حيث قال في الكشاف في تفسير هذه الآية وفيه كسر بين لقول من يزعم أن اللّه يضل عباده على الحقيقة حيث يقول للمعبودين من دونه