اسماعيل بن محمد القونوي
47
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
تكثير المعنى وإيجاز المبنى حيث نفوا عن أنفسهم الضلال والإضلال بلا إطناب في المقال قوله أن يتولى أحدا دونك فيه مبالغة أيضا حيث لم يقل أن ندعو غيرنا إلى عبادتنا وأن يتولينا كما هو مقتضى الجواب بل عم الكلام مبالغة في بيان تبريهم « 1 » عن الإضلال . قوله : ( من اتخذ الذي له مفعولان كقوله تعالى : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [ النساء : 125 ] ومفعوله الثاني من أولياء ) من اتخذ الذي له مفعولان وهو بمعنى صير ومفعوله الأول ضمير المتكلم القائم مقام الفاعل والفاعل عابدهم والإنكار المستفاد حينئذ إنكار الواقع إذ العبدة اتخذوهم بعض الأولياء لكن هذا الاتخاذ لا يصح أن يقع وعلى الأول إنكار الوقوع أي لم يقع هذا الاتخاذ منهم وأيضا على هذه القراءة الجواب ليس على ظاهره لأنه كناية عن انتفاء الإضلال فإن إنكارهم اتخاذهم العبدة أولياء مستلزم لعدم إضلالهم إياهم . قوله : ( ومن للتبعيض ) لا زائدة فإنها لا تزاد في المفعول الثاني وهو مسلك الزجاج قوله : ومن للتبعيض وعلى الأول مزيدة أي لفظة من في قوله من أولياء للتبعيض على قراءة نتخذ مبنيا للمفعول وإنما حملها على هذه القراءة على التبعيض دون الزيادة لعدم صحة المعنى على كونها زائدة على ما قال الزجاج هذه القراءة خطأ لأنك تقول ما اتخذت من أحد وليا ولا يجوز ما اتخذت أحدا لأن من إنما دخلت لأنها تنفي واحدا في معنى جميع تقول ما من أحد قائما وما من رجل محبا لما يضره ولا يجوز ما رجل من محب لما يضره ولا وجه عنده لهذا البتة ولو جاز هذا لجاز في قوله تعالى : فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [ الحاقة : 47 ] ما أحد عنه من حاجزين إلا أن يسقط من الثانية فيقال أن نتخذ من دونك أولياء فيصح الكلام ويصح المعنى وقال الزجاج أيضا وأجاز الفراء هذه القراءة على ضعف وزعم أنه يجعل من أولياء هو الاسم ويجعل الخبر ما في يتخذ كأنه يجعله على القلب ونقل صاحب المطلع عن صاحب النظم أنه قال الذي يوجب سقوط هذه القراءة أن من لا يدخل إلا على مفعول لا مفعول دونه فإذا كان قبل المفعول مفعول سواه لم يحسن دخول من مثل قوله تعالى : ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ [ مريم : 35 ] فقوله من ولد مفعول لا مفعول سواه ولو قال ما كان ينبغي لنا أن نتخذ قد قامت النون المضمومة فيه مقام المفعول وشغل الاتخاذ به لم يقتض من في المفعول الذي بعده وقال ابن جني قراءة نتخذ مبنيا للمفعول هي قراءة زيد بن ثابت وأبي الدرداء وأبي جعفر ومجاهد والحسن وغيرهم فعلى هذا من أولياء في موضع المفعول به أي ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء ودخلت من زائدة لمكان النفي كقولك اتخذت زيدا وكيلا فإن نفيت قلت ما اتخذت زيدا من وكيل وهذا في المفعول به وأما على قراءة الجماعة فقوله من أولياء في موضع المفعول به كقولك ضربت رجلا فإن نفيت قلت ما ضربت من رجل فعلم من هذا أن ابن جني أجاز أن يزاد من في المفعول الثاني وأبى الزجاج إلا أن يزاد في المفعول الأول وذهب صاحب النظم إلى أنه تزاد في مفعول واحد وبنى القاضي رحمه اللّه كلامه على كلام الزجاج فجعل من تبعيضية لا مزيدة ويجوز أن يكون مزيدة بناء على تأويل ابن جني وكلام الكشاف مبني أيضا على كلام الزجاج حيث قال صاحب الكشاف
--> ( 1 ) كأنهم قالوا نحن لا ندعو غيرنا مطلقا سواء كان هؤلاء أو غيرهم إلى عبادتنا ولا ريب في مبالغته .