اسماعيل بن محمد القونوي
45
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
غيرهم فلو قيل أأضللتم عبادي أم ضلوا للإنكار لكان له وجه كقوله تعالى : أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ [ الصافات : 95 ] فالعبادة منهم واقعة في الخارج لكنه منكرة للتوبيخ فكذا ما نحن فيه بلا فرق وكذا قوله أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً [ الأنعام : 74 ] ونظائره كثيرة فيرام نكتة غير ما ذكر ولعله مثل قوله تعالى : أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ [ يونس : 99 ] جعل صاحب الكشاف من قبيل التخصيص وجعل صاحب المفتاح من تقوية الحكم للإنكار وهذا هو المناسب هنا فالمنكر هو الفعل أي الضلال تحقيقا والإضلال تنزيلا وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لتقوية الحكم الإنكاري أو للتخصيص بالعناية فإن قيل إن مراد الشيخين أن المسؤول عنه هو الفاعل دون الفعل فإنه لا شبهة فيه من غير نظر إلى كون ذلك الفعل الواقع منكرا قلنا إنه لا كلام في أن النظر إنكار ذلك الفعل للتقريع كما صرح به . قوله : ( وحذف صلة ضلوا للمبالغة ) أي لفظة عن لأن ضل مطاوع أضل فالمعنى ضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ كما أن المعنى في الأول أأنتم أوقعتموهم في الضلال عن طريق الحق فحذف عن للمبالغة فإن فيه الدلالة على أنهم فقدوه رأسا من أول الأمر لا أنهم خرجوا عنه كما يشعر به كلمة عن وهذا علة مصححة لا موجبة وحذف صلة أضل مع مدخولها للمبالغة أيضا كأنه قيل أأنتم أضللتم عبادي عن كل شيء حتى عن طريق الحق . قوله تعالى : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 18 ] قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً ( 18 ) قوله : ( قالوا ) صيغة المضي بعد قوله فيقول لتحقق وقوعه كالواقع . قوله : ( تعجبا مما قيل لهم لأنهم إما ملائكة أو أنبياء معصومون « 1 » أو جمادات لا تقدر على شيء ) تعجبا مما قيل لهم هذا لازم معناه إذ التنزيه عن الأنداد يستلزم التعجب عن القول بالأنداد له لأنهم معصومون فيبعد عنهم كل البعد الإضلال الذي هو فعل الغاوين فإن الإضلال بطريق الكسب ضلال « 2 » بخلاف الإضلال بمعنى خلق الإضلال قوله أو قوله : وحذف صلة ضل للمبالغة أي حذف صلة ضل وهي كلمة عن وأصل الاستعمال أن يقال ضلوا عن السبيل لقصد المبالغة في تعلق الضلال بالسبيل وبيان شدة اتصاله به حيث جعل السبيلة مضلولا به لا مضلولا عنه . قوله : تعجبا مما قيل لهم أي قال الملائكة والأنبياء الذين عبدوا من دون اللّه سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء تعجبا من نسبة جريمة الاضلال إليهم وهم معصومون عن اقتراف الآثام أو قالت الأصنام ذلك القول وهو سبحانك الخ تعجبا من أن ينسب الإضلال إليها لأنها جمادات لا تقدر على الإضلال .
--> ( 1 ) كلمة أو لمنع الخلو فينتظم جميع الاحتمالات . ( 2 ) وفيه دفع إشكال بأنه تعالى أسند الإضلال إلى ذاته العلى في قوله : يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ . *