اسماعيل بن محمد القونوي
439
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 69 ] قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ( 69 ) قوله : ( قل سيروا ) وإنما أمر به عليه السّلام هنا وفي بعض السور وفي سورة آل عمران فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ [ آل عمران : 137 ] إذ فيما قبله خوطب الكفار ففرع الأمر بالسير في آل عمران بخلاف ما وقع هنا وفي مثله ذكر في الأرض للتعميم فالفاء هنا لأن السير لأجل النظر هنا ولا كذلك في سورة الأنعام ونحوها لأن السير هناك لأجل غيره كالتجارة ونحوها ولذلك قيل معناه هناك إباحة السفر للتجارة ونحوها وإيجاب النظر في آثار الهالكين وأما هنا فالأمر بالسير للمجرمين الحاضرين فلا جرم أن السير لأجل النظر وأما هناك فيحتمل الخطاب للمصدقين فعلم أن المراد بالسير في هذه المواضع السير الحقيقي والقول بأن المراد تعرف أحوالهم مجازا سواء كان بالسير أو بغيره ضعيف ولك أن تقول إيراد الفاء بالنظر إلى أول السير وكلمة ثم بالنظر إلى تمام السير فإن لوحظ حصول النظر عقيب السير اختير الفاء وإلا اختير ثم أو كلمة ثم للتراخي الرتبي إذ السير واجب بالنظر إلى السير فهو وسيلة والنظر واجب بالأصالة كيف إعرابه وتوضيحه قد تقدم في سورة آل عمران والعاقبة مصدر كالعافية وهي منتهى الأمر . قوله : ( تهديد لهم على التكذيب ) تهديد لهم أي المشركين على التكذيب أي على تكذيب البعث بمعنى عدم تصديقهم سواء كانوا شاكين فيه أو جازمين بعدم وقوعه أو على تكذيب النبي عليه السّلام فالتكذيب في بابه حينئذ . قوله : ( وتخويف بأن ينزل بهم مثل ما نزل بالمكذبين قبلهم ) وتخويف أي لهم بأن ينزل الخ لأنه المقصود بالأمر بالنظر كي يعتبروا فيؤمنوا . قوله : ( والتعبير عنهم بالمجرمين ليكون لطفا للمؤمنين في ترك الجرائم ) والتعبير عنهم بالمجرمين مع أن الظاهر التعبير بالمكذبين أو بالكافرين لطفا من اللّه تعالى وإرشاد الأنبياء صلوات اللّه عليهم في البعث فلذا أقروا كلا من المرفوع والمنصوب في مكانه ولم يذكروا آباءهم هناك في حيز الإنكار حيث قالوا : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [ الصافات : 16 ] وذكروهم هنا وهو يدل على أنهم ينكرون البعث من عند أنفسهم وأن في أنفسهم باعثا على إنكاره غير التقليد لآبائهم فكونهم أوغل في إنكار البعث حملهم على تقديم هذا على نحن اهتماما منهم بشأن البعث وإنكاره وما ذكره رحمه اللّه في تقديم هذا على نحن هو الذي أراده صاحب المفتاح بقوله والجهة المنظور فيها هناك هي كون أنفسهم ترابا وعظاما والجهة المنظور فيها ههنا هي كون أنفسهم وكون آباءهم ترابا لا جزء هناك من بنائهم على صورة نفسه ولا شبهة في أنها ادخل عندهم في تبعيد البعث فاستلزم زيادة الاعتناء بالقصد إلى ذكره . قوله : والتعبير عنهم بالمجرمين ليكون لطفا بالمؤمنين يعني مقتضى الظاهر أن يعبر عن هؤلاء المكذبين بالبعث بلفظ الكافرين فترك مقتضى الظاهر إلى التعبير عنهم بالمجرمين دلالة على أن الكافر إنما استحق ذلك الاستئصال الكل لكون كفره جريمة فأمر المؤمنون بالنظر إلى ما يؤديه الجريمة من الهلاك ليروا آثار من أهلكوا بسبب جرائمهم فيتعظوا بها وينزجروا عن