اسماعيل بن محمد القونوي

412

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

يباشروا عذابهما وكونهم أهل العرف لا يضر لأنهم أوهموا الولي أنهم أرادوا المعنى اللغوي فإذا هم كاذبون لأنهم حضروا بالمباشرة لكنهم يريدون المعنى العرفي فهم صادقون لأنهم ما شهدوا فقط بدون المباشرة بل حضروا مع المباشرة فإنهم صادقون في نفي الحضور بلا مباشرة وهو المعنى العرفي . قوله : ( أو لأنا ما شهدنا مهلكهم وحده بل مهلكه ومهلكهم كقولك ما رأيت ثمة رجلا بل رجلين ) أو لأنا ما شهدنا مهلكهم وحده ويقيد وحده صاروا صادقين فلا يرد إشكال صاحب الانتصاف عند الإنصاف بأن من فعل أمرين وجحد أحدهما لم يكن في كذبه شبهة إلى آخر ما قاله فإن هذا الإشكال بناء على الغفول عن قيد وحده لأن من فعل أمرين وجحد فعل أحدهما حال كونه منفردا ألم يكن في صدقه شبهة والفرق بين إنكار فعل أحدهما وبين إنكار كون فعل أحدهما منفردا واضح إذ المنكر في الأول ذات الفعل وهو كذب وفي الثاني كونه منفردا وهو صدق . قوله تعالى : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 50 ] وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 50 ) قوله : ( بهذه المواضعة ) أي الحيلة في ادعاء الصدق المذكور أو الخدعة في قولهم لنبيتنه وأهله وإنما عبر بالمكر لأنهم قصدوا بذلك إبطال الحق والتأكيد بالمفعول المطلق في الموضعين للإشارة إلى المبالغة فيه . قوله : ( بأن جعلناها سببا لإهلاكهم ) أي تلك المواضعة سببا لإهلاكهم والمكر من حيث إنه في الأصل حيلة يجلب بها غيره إلى مضرة لا يسند إليه تعالى إلا على سبيل الازدواج والمشاكلة أي بطريق الاستعارة وقد فصل في تفسير قوله تعالى : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 9 ] الآية المواضعة الموافقة في أمر مخصوص تقول واضعته في الأمر إذا وافقته فيه على شيء . وَإِنَّا لَصادِقُونَ حالا وأما على تقدير عطفها على ما قبلها ودخولها في حيز التقاسم لا يلزم صدقهم حتى يحتاج إلى تكلف توجيه صدقهم . قوله : كقوله ما رأيت رجلا ثمة بل رجلين يختلف العلماء في أن من حلف أن لا يضرب زيدا فضرب زيدا وعمروا كان حانثا بخلاف من حلف أن يضرب زيدا وعمروا فضرب أحدهما فهو محل خلاف العلماء في الحنث وعدمه وما أورده رحمه اللّه في تفسير وَإِنَّا لَصادِقُونَ هو مأخوذ من كلام صاحب التقريب حيث قال لعل المراد وما شهدنا مهلك أهله فضلا أن تولينا إهلاكهم ونحلف إنا لصادقون أو والحال إنا لصادقون فيما ذكرنا لأن الشاهد للشيء غير المباشر له عرفا أو لأنا ما شهدنا مهلك أهله وحدهم بل مهلكه ومهلكهم كقولك ما رأيت ثم رجلا بل رجلين إلى هنا كلامه قال الطيبي التقدير الأول وهو نحلف إنا لصادقون كما نص عليه الزجاج ليكون عطفا على ما شهدنا ويدخل في حيز التقاسم أولى وأوجه ولا يلزم صدقهم ولا يحتاج إلى تلك التكلفات وعليه قول إخوة يوسف : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ [ يوسف : 82 ] فإن قولهم وَإِنَّا لَصادِقُونَ تأكيد في محل القسم بتقدير ونقسم أو نحلف إنا لصادقون .