اسماعيل بن محمد القونوي

409

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

المضارع هنا للاستمرار المفيد كونه عادة لهم ولذا اختير على الماضي وأيضا في الأرض يفيد عموم إفسادهم لأن الإفساد لا يكون إلا في الأرض فذكرها لتأكيد العموم كقوله تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ [ الأنعام : 38 ] الآية قوله الخالص أي الخالي عن شوب الصلاح إذ الإفساد قد يكون مشوبا أي مخلوطا بالصلاح كقتل الخضر عليه السّلام غلاما وخرق السفينة فقوله : وَلا يُصْلِحُونَ [ الشعراء : 152 ] من قبيل الاحتراس والتكميل . قوله تعالى : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 49 ] قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 49 ) قوله : ( قالوا ) استئناف . قوله : ( أي قال بعضهم لبعض ) فحينئذ إسناد القول إلى المجموع مجاز إذ القائل بعضهم « 1 » . قوله : ( أمر مقول ) وهو الظاهر أي تخالفوا باللّه لا بغيره وهم معترفون باللّه تعالى لكنهم عبدوا أصناما فنهى عنه صالح عليه السّلام فأرادوا سوء القصد ثم أكدوا بالقسم باللّه تعالى . قوله : ( أو خبر وقع بدلا أو حالا بإضمار قد ) أو خبر أي فعل ماض بمعنى قاسموا واقتسموا فحينئذ يكون الكلام دالا على قسمهم وأما في صورة الأمر فوقوع القسم مفهوم من عرض الكلام . يجتمعان في محل واحد فأجاب عنه بجواز الاتصاف بهما على سبيل البدل فيفيد قوله : وَلا يُصْلِحُونَ [ النمل : 48 ] أنهم مستمرون على الافساد ولا يفعلون الصلاح قط ومعنى الاستمرار مستفاد من صيغة المضارع في يفسدون والمراد الاستمرار التجددي وأشار رحمه اللّه إلى إرادة معنى الاستمرار بلفظ الشأن في قوله أي شأنهم الإفساد الخالص قال الراغب الصلاح ضد الفساد وهما مختصان في أكثر الاستعمال بالأفعال وقوبل في القرآن تارة بالفساد وتارة بالسيئة قال اللّه تعالى : وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها [ الأعراف : 56 ] وقال تعالى : خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً [ التوبة : 102 ] والصلح مختص بإزالة النفار أي بإزالة المنافرة الكائنة بين المتخاصمين وإصلاح اللّه تعالى للإنسان تارة يكون بخلقه إياه صالحا وتارة بإزالة ما فيه من فساد بعد وجوده وتارة يكون بالحكم له بالصلاح وفي الكشاف وَلا يُصْلِحُونَ [ النمل : 48 ] يعني أن شأنهم إلا الفساد البحت الذي لا يخلط بشيء من الصلاح كما ترى بعض المفسدين قد يندر منه بعض الصلاح أو خبر وقع بدلا والمراد بالخبر ما يقابل الإنشاء أي قوله تعالى : تَقاسَمُوا [ النمل : 49 ] إما إنشاء محله النصب بأنه مقول قالوا أو خبر وقع بدلا من قالوا أو حال من واو قالوا بإضمار قد لأنه ماض والمعنى قالوا متقاسمين .

--> ( 1 ) لرضاء قولهم فكأنهم قالوا جميعا كما أنهم مقول لهم جميعا والاختلاف الاعتباري كاف في ذلك .