اسماعيل بن محمد القونوي

407

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( سببكم الذي جاء منه الشر وهو قدره أو عملكم المكتوب عنده ) سببكم الذي الخ لما كان العرب يتيمنون ويتشاءمون بسنوح الطائر وبروحه أي إذا مر به طائر سانحا وهو ما وليه بمسيرة وبارحا وهو ما وليه يمينه يتيمنون بالأول ويتشاءمون بالثاني فنسبوا الخير والشر إلى الطائر ثم استعير لما هو سبب الخير والشر من قدر اللّه تعالى وعمل العبد فأشار المص بقوله سببكم الخ إلى هذا التفصيل ولم يذكر الخير لأن الشر هو المناسب للمقام والعمل عام لسوء عقائدهم الظاهر المعنى الثاني هنا ويؤيده قوله تعالى في سورة ياسين : قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ [ يس : 19 ] وهو سوء عقيدتكم وشؤم معاصيكم والتعرض للقدر ليس بمناسب هنا لأن الكلام مسوق للتوبيخ . قوله : ( تختبرون بتعاقب السراء والضراء والإضراب من بيان طائرهم ) تختبرون معنى تفتنون إذ الفتنة بمعنى الاختبار والامتحان سواء كان بالمنحة أو بالمحنة لقوله تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ الأنبياء : 35 ] وإن كثر استعماله عرفا في المحنة وفيما يشق على الإنسان ومقتضى السوق الاكتفاء بالامتحان بالضراء هنا إذ الكلام في تتابع الشدائد فزعموا أن سببه شؤم صالح عليه السّلام ومن معه من أهل الإسلام فرد عليه السّلام عليهم بأنه بسبب شؤم أعمالكم ثم اضرب عنه إلى ذلك فقال بل أنتم قوم شأنكم كونكم مختبرين بأنواع الشدائد قبل اختراعنا الدين المستقيم فهو للترقي لا للإبطال . قوله : ( الذي هو مبدأ ما يحيق بهم إلى ذكر ما هو الداعي إليه ) الذي هو مبدأ ما يحيق بهم أي يحيط بهم ويحل بهم لأنه سببه . قوله : سببكم الذي جاء منه شركم عند اللّه وهو قدره كان الرجل يخرج مسافرا فيمر بطائر فيزجره فإن مر ما ولاه ميامنه تيمن وإن مر ما ولاه مياسره تشاءم فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان سببهما من قدر اللّه وقسمته أو من عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة والنقمة وهو مأخوذ من قوله تعالى : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [ الإسراء : 13 ] وعند أهل السنة عملكم مكتوب فيه عند اللّه مقدر من عنده وهو المراد بقوله : أو عملكم المكتوب عنده ومنه قالوا طائر اللّه لا طائرك أي قدر اللّه الغالب الذي ينسب إليه الخير والشر لا طائرك الذي تتشاءم به وتتيمن فلما قالوا اطيرنا بكم أي تشاءمنا وكانوا قد قحطوا قال طائركم عند اللّه أي سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم عند اللّه وهو قدره وقسمته إن شاء رزقكم وإن شاء حرمكم . قوله : والاضراب من بيان طائرهم الذي هو مبدأ ما يحيق بهم يعني بين أولا طائرهم أي سببهم الذي هو مبدأ ما يحيط بهم من عذاب القحط وباقي الشدائد المتتابعة عليهم ثم اضرب بكلمة بل إلى ذكر سبب ذلك السبب والغاية منه فإن السبب ما أحاط بهم من الشدائد هو قدر للّه تعالى وقضاؤه الأزلي وقضاء اللّه حكمه النافذ في الأشياء ولا يخلو حكمه تعالى عن حكمة هي علة غائية له والحكمة في تعاقب السراء والضراء على عباده هي اختبارهم يختبرهم في السراء هل يشكرون أو يكفرون وفي الضراء هل يصبرون أو يجزعون فالإضراب بيان السبب إلى بيان سبب السبب وهو المراد من قوله إلى ذكر . . . الخ .