اسماعيل بن محمد القونوي

262

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله تعالى : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 86 ] وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ ( 86 ) قوله : ( بالهداية والتوفيق للإيمان ) كأنه قال واهد لأبي إلى الإيمان واغفر له فهو لازم متقدم على الدعاء بالمغفرة وبهذا الاعتبار ساغ الدعاء بالمغفرة للكفرة ولذا قال النبي عليه السّلام في غزوة أحد اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون في رواية يدل اللهم اهد قومي الحديث . قوله : ( عن طريق الحق ) أي اللام في الضالين للعهد وهم المعهودون بالضلال عن الحق والإيمان فهذا أبلغ من قوله إنه كان ضالا مع مراعاة الفاصلة وهذا إذا كان قبل موت أبيه قال في تفسير قوله تعالى : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 113 ] الآية وفيه دليل على جواز الاستغفار لإحياء المشركين فإنه طلب توفيقهم للإيمان وبه دفع النقض باستغفار « 1 » إبراهيم لأبيه الكافر انتهى بل الدعاء بالمغفرة أبلغ لاقتضائه الدعاء بالهداية للإيمان وقد قرر في الأصول أن دلالة اللفظ على المعنى تكون بالعبارة وبالإشارة وبالدلالة وبالاقتضاء فالدعاء بالمغفرة ثابت بالعبارة والدعاء بالتوفيق ثابت بالاقتضاء فلا إشكال أصلا وأما الاعتراض بأنه لو كان كذلك لما كان استثناء استغفار أبيه عن قوله : قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ [ الممتحنة : 4 ] الآية إلى قوله : إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ [ الممتحنة : 4 ] الآية متحققا فهو مدفوع بأن المراد بالأسوة الحسنة ما يجب أن يقتدى به بدليل قوله : لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ [ الأحزاب : 21 ] فلا مانع من استثناء وعد الاستغفار منها إذ لا وجوب فيه أو الاستثناء المذكور بناء على قصر النظر إلى مجرد الاستغفار من غير التفات إلى ما يقتضيه من الدعاء بالتوفيق أولا والمغفرة ثانيا وبهذا حصل التلفيق بين النصوص بحسن التوفيق . قوله : ( وإن كان هذا الدعاء بعد موته فلعله كان لظنه أنه كان يخفي الإيمان تقية من قوله : بالهداية والتوفيق فإن معنى الاستغفار للكافر طلب الهداية والتوفيق للإيمان . قوله : وإن كان هذا الدعاء بعد موته فلعله كان لظنه أنه كان يخفي الإيمان فعلى هذا يكون الاستغفار لأبيه طلب المغفرة عن ذنوبه لا الهداية والتوفيق للإيمان لأن طلب الهداية والتوفيق للميت غير معقول المعنى . قوله : ولذلك وعده به أي ولظنه إياه أنه كان مؤمنا يخفي الإيمان وعده بالإيمان حيث قال سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي .

--> ( 1 ) قال المص في سورة مريم فإن حقيقة الاستغفار للكافر استدعاء التوفيق بما يوجب مغفرته انتهى فثبت ما قلنا من أنه مقتضى الكلام فالنصوص الدالة على جواز الاستغفار محمولة على مراعاة ذلك المقتضى والاستثناء المذكور في قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ [ الممتحنة : 4 ] الآية محمول على عدم مراعاة ذلك المقتضى فتأمل ثم تدبر .