اسماعيل بن محمد القونوي
254
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( وللعطف إن جعل صفة رب العالمين ) والعطف بالفاء لإفادة تعقيب الهداية الخلق فلهذا السر جعل المص الهداية بالمعنى اللغوي وعاما للمبدأ والمنتهى وسره ما ذكرناه آنفا إن جعل صفة رب العالمين كما هو الظاهر من السوق لكن هذا يتوقف على أن إضافة الرب إلى العالمين معنوية لا لفظية ولذا أخره وقد فصل هذا في سورة الفاتحة ثم قيل إن سببية الخلق للهداية بمقتضى الحكمة فإن من أوجده بتكفل بما به قوامه وبقاؤه وقيل إنها سبب للإخبار « 1 » لا للهداية وأنها غير مسببة عن الخلق وإن السببية قد تجامع العطف كما في الذي يطير الذباب فيغضب زيد فلا وجه للتخصيص ولا تخصيص في كلام المص غايته أنه لم يتعرض له على أن السببية غير ظاهرة كما عرفته والظاهر أنه للتعقيب فقط وأن المثال المذكور جمع العطف مع السببية احتمال مرجوح فيه والراجح أن الفاء للسببية دون العطف . قوله : ( فيكون اختلاف النظم لتقدم الخلق ) اختلاف النظم أي بالمضي والاستقبال هذا على تقدير العطف وأما على الأول فلا يحتاج إليه قوله لتقدم الخلق فيكون لهداية بالنسبة إليه مستقبلا وإن كانا ماضيين في الواقع . قوله : ( واستمرار الهداية ) أي التجددي لأن الجملة وإن كانت اسمية لكن خبرها جملة فعلية « 2 » فعلها مضارع . قوله تعالى : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 79 ] وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) قوله : ( وقوله وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ على الأول مبتدأ محذوف الخبر لدلالة قوله : وللعطف إن جعل صفة رب العالمين فيكون للتعقيب إذ الهداية بعد الخلق لأنه تعالى لما خلقه ونفخ فيه الروح عقب ذلك هدايته فح فيكون اختلاف النظم أي اختلاف المعطوف والمعطوف عليه في الصفة بأن جعل المعطوف عليه وهو خلقني على صيغة المضي لتقدم الخلق على الهداية والمعطوف على صيغة المضارع لكون المراد به الاستمرار التجددي ومعنى الاستمرار مستفاد من صيغة المضارع ومن اسمية الجملة حيث قيل فهو يهدين ولم يقل فيهدين فقوله واختلاف النظم يتناولهما فإن مقتضى الظاهر أن يقال الذي خلقني فهداني فغير هداني إلى يهديني ثم إلى فهو يهديني وذهب أبو البقاء وصاحب الكشاف إلى أن قوله : الَّذِي خَلَقَنِي [ الشعراء : 78 ] مبتدأ وقوله : فَهُوَ يَهْدِينِ [ الشعراء : 78 ] خبره وما بعده من الذي صفات للذي الأولى ويجوز ادخال الواو في الصفات لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف مثل سبعة وثامنهم كلبهم . قوله : على الأول مبتدأ أي قوله وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ على الوجه الأول وهو أن يجعل الموصول في الذي خلقني مبتدأ خبره محذوف تقديره والذي هو يطعمني ويسقيني فهو يهديني حذف الخبر لدلالة المذكور قبله عليه فيكون مثل زيد منطلق وعمرو إلا أن المعطوف في
--> ( 1 ) مثل قوله تعالى : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ النحل : 53 ] . ( 2 ) وهذه الجملة الاسمية تفيد الاستمرار التجددي ما لم يقم قرينة على الاستمرار الدوامي .